يوم أمس تساءل زميل عن إمكانية تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا بعد سقوط نظام البعث السوري الذي جعل في كل شبر من أراضي سوريا مقبرة جماعية مثلما حدث بالضبط في العراق أثناء حكم البعث العراقي، ويقول بأن العدالة الانتقالية التي حدثت في جنوب إفريقيا بعد حكم نظام الفصل العنصري البغيض لم يتجاوز ضحاياه للسكان الأصليين من أصحاب البشرة السوداء بضعة آلاف، وأيضاً في دول أمريكا الجنوبية، ولكننا نتحدث هنا عن ضحايا بالملايين، فكيف ستتحقق تلك العدالة؟ وكيف يمكن جبر ضرر المتضررين؟
للأمانة سؤال مستحق، والواضح بأن حتى في العراق لم تطبق العدالة الانتقالية بعد سقوط نظام البعث لفظاعة ما ارتكبه صدام ونظامه من جرائم بحق الإنسانية التي طغت على صوت العقل بمحاسبة من ارتكب تلك الجرائم، وأعتقد بأن سوريا لن تكون استثناءً من هذه الحالة لفظاعة الجريمة ضد الإنسانية؛ لذلك صوت الانتقام اللحظي سيكون طاغيًا على صوت الانتقام وفق آلية العدالة الانتقالية التي تتطلب محاكمات عادلة وشفافية وعلنية لكي توثق للتاريخ، وتكون حاضرة في الذهن المجتمعي لكي لا تتكرر مرة أخرى على يد ظغاة جدد، ناهيك عن ضياع الأدلة الجنائية لمثل تلك الأحداث ومن ثم تضيع في التاريخ، ولا تستفيد منها الأجيال، وهذا ما تم رصده من جرائم سحل وقتل دون محاكمات في المشهد السوري.
محكمة نوبنيرغ كانت شاهدًا على التاريخ، ولا زالت أصداؤها ماثلة في تاريخ أوربا، وأيضا محاكمات مجرمي حرب يوغسلافيا حاضرة في تاريخ البشرية كرادع، أما ضياع المحاكمات العادلة لمجرمي الحرب من بعثيِّي سوريا والعراقي فهي خسارة تاريخيّة، والأسوأ من ذلك ستضيع معالمها من تاريخ المنطقة، ولن يتم جبر ضرر المتضررين إن لم يُحاكَم مرتكبوها محاكمة عادلة، وبالتالي قد تتكرر كما حدث في تاريخ المنطقة طوال قرون، ولا يزال بعضها يطالب بالثأر مما حدث من قرون، وهكذا منطقتنا تجتر مآسيها الإنسانية.
لذلك تطبيق العدالة الانتقالية ليس ترفًا حقوقيًّا وإنما رصد وتوثيق للتاريخ؛ لكي تكون ماثلة بعقل أي نظام ولا يكرر مثل تلك الجرائم ضد الإنسانية، ولا خيار لدينا غير أن نتمسك بتلك العدالة لتلافي جرائم أخرى ضد الإنسانية في المستقبل.
يقول أمل دنقل:
لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى؟ :هي أشياء لا تشترى..