متى ترخي لجامها، وتستقر لتبني مستقبلها؟!

الشخصية العربية عموما تختلف عن بقية الشخصيات البشرية بكل شيء، ما أود أن أقوله عن تلك الشخصية ليس جلدًا للذات، ولا هجومًا عليها، وإنما أجزم بأنها شخصية تخشى من الحرية، وترى بها شرًّا مطلقًا، وقد يكون ذلك نتيجة طبيعية لما حمله تاريخها منذ القدم بعدم الأمان من الآخر منذ كانت قبيلة تغزو قبيلة تقتل رجالها وتسبي نساءها، ولم تستقر تلك الشخصية نوعًا ما إلا فيما تقريبا من قرن ونيِّف أو قرنين عندما بدأت تظهر علامات وجود الدول وتضع لها قوانين ودساتير، ولكم أن تتخيلوا بأن أقدم دستور في دول المنطقة هو”دستور عهد الأمان” الذي صدر في عهد الباي محمد الصادق باي عام 1861م، وهو أول دستور عربي مكتوب يُنظِّم سلطات الدولة بشكل قانوني يهدف لتقييد سلطة الحاكم، وضمان حقوق المواطنين، وتنظيم القضاء والإدارة.

لذلك الشخصية العربية لا تزال تعتبر وجود قبيلتها أو عشيرتها أو غيرها من تنظيمات اجتماعية ودينية ومذهبية فوق سلطة الدولة بمفهومها العام، ولا زال التمسك بمثل تلك التنظيمات الاجتماعية والدينية والمذهبية ترتفع وتيرتها بدلا من أن تذوب في كنف الدولة، مع الأسف، والشواهد على ذلك لا تعد ولا تحصى؛ وعليه فإن الاضطراب الذي نراه في تلك الشخصية الضائعة ما بين سلطة الدولة الحديثة وما بين السلطة الاجتماعية جعلها شخصيةً مضطربةً تشدُّها الأحداث للماضي ليس حبًّا في الماضي بقدر ما هي عرفت الماضي بكل جراحه ودمائه؛ لأن المستقبل بالنسبة لها غامضٌ وبلا ملامح؛ وهذا ما يجعل الاضطراب سيد الموقف بها، كل ذلك نتيجة طبيعية لغياب الرؤية والمشروع بينما المجتمعات البشرية لديها رؤية ومشروع، وتعمل على تحقيقه، وهذا هو الفرق والهوة التي إن لم تردم ستزداد تلك الشخصية تقوقُّعا على ذاتها، وتتفكك مجتمعاتها كما نشاهد اليوم على أرض الواقع سواء في العراق والشام أو في ليبيا والسودان وحتى اليمن.

فهل من منقذ لهذه الشخصية التي تنزف منذ قرون؟

ألم يحن الوقت لأن ترخي لجامها، وتستقر لتبني مستقبلها؟

هذا ما آمله…

Shopping Cart