الإنسانية طريقنا للحضارة

لا يدرك مع الأسف البعض -وأقول البعض وليس الكل- بأن الإنسانية تجمعنا والتعصب يفرقنا، وأعني هنا أي تعصب كان قبلي أو مناطقي أو فئوي أو ديني أو مذهبي أيًّا كان نوع هذا التعصب فهو في النهاية تعصب لفكرة أو عرق حتى لو كان تنظيمًا فهو تعصب ما كان يجب أن يكون.

بمراجعة سريعة للتاريخ الذي حدث به تعصب نجد أن البشرية دفعت أثمانًا غالية نتيجة لهذا التعصب راح ضحيته مليارات من البشر، ولا أعرف فيما إذا كان ذلك جزءًا من الطبيعة التي توازن نفسها أم أن ذلك قدر هؤلاء البشر لكي تتوازن الطبيعة بهم.

اليوم وبعد كل هذا التطور الذي مرت به البشرية من حروب بمختلف مسمياتها لا تزال الطبيعة تنتج ذات الكارثة لم تستفد البشرية من تجاربها كما يجب، وإن كانت هناك محاولات حققت بعض النجاحات عندما أُقِرَّ اتفاق يحترم جرحى حروب البشر، وكان ذلك، وتقرر أن يكون باسم الصليب الأحمر عام 1863، ومن ثم تطور الوضع لأن يتأسس الهلال الأحمر عام 1876، ولكم أن تتخيلوا تاريخ المذابح البشرية لم تتوقف ولا تزال مستمرة ومع ذلك قاومت البشرية جروحها بذاتها، وتأسست لجنة حقوق الإنسان في عام 1946 في الأمم المتحدة أي بعد ثمانين عاما ونيف تقريبا من تأسيس الصليب والهلال لتستمر المسيرة الإنسانية، وتحقق ما عُرِفَ لاحقا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1947 في تلك المقاومة الإنسانية، وتأسس بعد ذلك مجلس حقوق الإنسان في عام 2006 الذي لا يزال يحبو بخطواته الأولى ومع ذلك وجوده في حياتنا البشرية اليوم يعتبر بعمر الجنين خيرا من عدم وجوده، ولكم أن تتخيلوا المسافة الزمنية ما بين وجود الإنسان وما بين محاولات تنظيم ذاته للمحافظة على إنسانيته؟

من ينظر لهذه المسيرة الإنسانية سيتأكد بأن رغم وجود كل الديانات والمذاهب التي جاءت للبشرية قبل الاف السنين تحثها على الخير ومحاربة الشر لا تزال البشرية بحاجة لمزيد من الوقت لتستوعب بأن الحياة أثمن من أن تهدر بصراعات تاريخية متخلفة لم تنتج للبشرية إلا المزيد من الآلام.

فمتى تدرك تلك العقول المتحجرة بأن الإنسانية تجمعنا، والصراعات تدمينا؟

Shopping Cart