المصيبة لا يزال ذلك الفشل مستمرًّا

منذ قرابة العقدين أتذكر كتبت مقالًا ذكرت به بأن زلزال انهيار الاتحاد السوفيتي سابقا وتفككه لدول توقف عند حدود تركيا، ووصلت ارتداداته متأخرة قرابة العقدين عندما انفجرت ثورة الياسمين في تونس على إثر حرق البوعزيزي نفسه محتجًّا على أوضاعه التي تمثل تقريبا أوضاع معظم شباب منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط التي لم تتطور تطورًا طبيعيًّا بعد استقلالها من هيمنة وسيطرت دول الاستعمار الغربية بريطانيا وفرنسا.

اندلعت الثورات العربية باعتقادي قبل أن تنضج ظروفها فاندلاعها جاء نتيجةً للضغط الرهيب الذي مورس عليها والتقط ذلك التيارات الدينية السياسية حلفاء الأنظمة المستبدة كفرصة تاريخية يسيطرون بها على تلك الشعوب في وقت كان ولا يزال التيار المدني بعز ضعفه وهوانه وغير قادر حتى الساعة على تنظيم نفسه؛ ليكون له مقعد في تلك المرحلة التاريخية والفاصلة والحساسة، حتى في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في مصر، وكنت قد تشرفت بالمشاركة في مراقبتها نزل تسعة مرشحين للتنافس على مقعد الرئاسة يمثلون التيار المدني، وهم حمدين الصباحي، عمرو موسى، خالد علي، أبو العز الحريري، هشام البسطويسي، محمود حسام، محمد فوزي، حسام خير الله حيث بلغ إجمالي أصواتهم 7,663,150 أكثر من عدد الأصوات التي حصل عليها محمد مرسي التي بلغت 5,764,952 فهذه الأرقام تؤكد بأن التيار المدني يعاني من خلل، والملاحظ أن ذلك في مصر فما بالنا في بقية دول المنطقة التي يعيش مثقفوها في عوالمهم الخاصة بعيدًا عن أرض الواقع المرير.

المنطقة واضح بأنها تمر بمخاض عسير، ورغم وضوح ذلك لكافة النخب والمثقفين إلا أنهم غير قادرين على الدخول بمنافسة للمساهمة في تنمية مجتمعاتهم، وأن صوتهم لم يعد له مكان لسبب بسيط جدا؛ وهو افتقارهم لثقافة العمل الجماعي وثقافة الديمقراطية بحد ذاتها، وانفصالهم عن واقعهم واعتزالهم في بروج عاجية.

أتذكر بأني دعيت بعد انتهاء الانتخابات في مصر لمركز اعداد القادة في مجلس الوزراء المصري، وكان بذلك الوقت بقيادة المهندس يحيى حسين المعتقل حاليا -فك الله أسره- لندوة حضرها جمع غفير من الشخصيات وكان من ضمنهم حمدين صباحي، وطلبت لقاءه ورفض ولا زلت أجهل أسباب رفضه لذلك؛ ولعله بسبب أني كنت رئيس المنتدى الخليجي لمؤسسات المجتمع المدني !!!

فتخيَّلوا الوضع في تلك المجتمعات التي جُل اهتمام نخبها هو إظهار خصومهم السياسيين من التيار الديني السياسي بأنهم لايصلحون لإدارة بقالة بينما هم لم يستطيعوا تنظيم أنفسهم وفق معايير تضمن استمرارهم؛ لذلك قال لنا الدكتور أحمد الخطيب -رحمة الله عليه- بعدما قررنا أن نصارحه بكل شفافية بأن تنظيمنا يفتقر للشفافية قال لنا بالحرف الواحد: “لقد فشلنا بتنظيم أنفسنا” والمصيبة لا يزال ذلك الفشل مستمرًّا على مستوى المنطقة.

Shopping Cart