خيارُ دولِنا الخليجيّة

ونحنُ نمرُّ بهذِهِ المَرحلَةِ التّاريخيّةِ المفصليّةِ التي ستُغيّرُ حتمًا الكثيرَ من موازينِ المَنطقَة، لا تَزالُ دُولُنا الخليجيّةُ —عَلى الرّغمِ من تَضامُنِها الواضحِ والمؤكَّدِ الذي لا يَرتقي إلية الشّكّ— لَم تَصِل بَعدُ إلى مَرحلَةِ التّكامُلِ المَنشود. ورَغمَ أنَّ الظّروفَ باتَت مُواتيَةً لِقَفزاتٍ هائِلَةٍ نحو المُستقبَلِ؛ حِفاظًا عَلى أمنِها واستِقرارِها، إلّا أنّنا —ولِلأسَفِ الشّديدِ— وأمامَ كُلِّ هذِهِ التّحدّيات، ما زِلنا نُراوِحُ في المكانِ ذاتِهِ مُنذُ اليومِ الأوّلِ الذي أُعلِنَ فيهِ عَن تأسيسِ مَجلسِ التَّعاوُنِ الخَليجيّ كَمَنظومَةٍ لحِفظِ الأمْنِ والمَصالح مع تحقيق نجاحات لايمكن نكرانها.

اليومَ، لَم نَعُد نَملِكُ تَرَفَ التَّعدُّدِ في الخِيارات، بَل أصبَحنا أمامَ استِحقاقِ القَرارِ الحاسِمِ الذي يَضمَنُ أمنَ واستِقرارَ دولِنا الخليجيّةِ التي تُواجِهُ تحدّياتٍ جَسيمَةً من شَتّى الجِبهات: جَنوبًا، وشَرقًا، وشَمالًا.

إنَّ هذا القَرارَ يَتطلَّبُ قُدُرًا مِن التَّنازُلاتِ التي قَد يَراها البَعضُ مُؤلِمَة، لَكِنّها باتت ضَرورَةً لا مَناصَ مِنها لِتَجاوزِ ما تَمُرُّ بهِ المَنطقَةُ بِسَلامٍ وأمان.

ولَستُ أُنكِرُ أنَّ ثَمَّةَ إنجازاتٍ حقيقيّةً ورائِعَةً قَد تَحَقَّقَت؛ كالتَّكامُلِ في الرَّبطِ الكَهربائيّ والمائيّ، وتَطويرِ البُنى التَّحتيّةِ كَشَبَكاتِ الطُّرُقِ المُمِتدَّة، والمَشاريعِ المَوعودَةِ لِسِكَكِ الحَديد، فَضلًا عَن المَنطِقَةِ اللّوجستيّةِ بينَ سَلطَنَةِ عُمان والمَملَكَةِ العَرَبيّةِ السَّعوديّة؛ لِتَكونَ بَديلًا آمنًا عَن مَضيقِ هُرمُز الذي يَتَعرَّضُ لِابتزازٍ إيرانيٍّ غَيرِ مَسبوق، وغَيرِها مِن التَّرتيباتِ اللّوجستيّةِ التي أصبَحَت ضَرورَةً قُصوى في ظِلِّ هذِهِ المَتَغيّرات. وبِالرَّغمِ مِن كُلِّ ما تَقَدَّم، فإنَّهُ يَبقى غَيرَ كافٍ لِتَحقِيقِ سَقفِ التَّطَلُّعاتِ الخَليجيّة.

لقَد أثبَتَت الأزمَةُ التي تَمُرُّ بها المَنطِقَةُ —بِما لا يَدَعُ مَجالًا لِلشَّكّ— رَسانَةَ التَّكامُلِ الأمنيّ الخَليجيّ، وهُوَ أمرٌ يَبعَثُ عَلى الفَخرِ ونَأمَلُ استِمرارَهُ ودَعمَهُ وتَحصينَهُ ضِدَّ عاتِياتِ الزَّمَن. ولَمّا كانت الخِياراتُ قَد ضاقَ نِطاقُها، فَلَم يَبقَ أمامَنا سِوى “الخِيارِ الكُونفِدِراليّ”؛ فهُوَ السَّبيلُ الكَفيلُ بِمَْنحِ دُولِنا القُوَّةَ، لا عَلى المُستَوى الإقليميّ فحَسب، بَل وعَلى الصَّعيدِ الدَّوليّ، بِما يَجعلُها قادِرَةً عَلى فَرضِ الإرادَةِ الخَليجيّةِ عَلى العالَم.

فَهَل يَكونُ الخِيارُ الكُونفِدِراليُّ مَطروحًا حَقًّا عَلى أجندَتِنا الخَليجيّة؟

هَذا ما آَمَلُه…

Shopping Cart