يظل مجلس التعاون حجر الأساس
أتذكر زميلة عربية ترغب بعمل رسالة ماجستير بالعلوم السياسية، وتبحث عن موضوع لم يتطرق له أحد من قبل، وطلبت مني أن أرشح لها موضوعًا لعمل دراسة عنه، وكان ذلك قبل عقدين ونيِّف تقريبا في وقت كانت المنطقة برمتها تموج بالتغيرات التي أسماها البعض بالربيع العربي، وآخرون أسموه بالخراب العربي، وغيرهم أسموه بالربيع العبري، وكان من ضمن تلك المرحلة انتفاضات في عدن ضد نظام علي عبدالله صالح الذي ضم الجنوب بالقوة العسكرية تحت شعار الوحدة أو الموت فخطر على بالي اسباب فشل الوحدات، وليس وحدة عربية فقلت لها إن كنت تريدين موضوعًا لم يتطرق له أحد بتاتا بالدراسة والتحليل فهو موضوع ملف أسباب فشل الوحدات العربية ونصحتها بعدم الرجوع للتاريخ الكارثي البعيد لهذا الملف، واكتفي بالبدء بملف وحدات حديثة مثل أسباب فشل وحدة مصر وسوريا والعراق، وفشل مجلس التعاون العربي، وفشل مجلس التعاون المغربي، وفشل حتى جامعة الدول العربية جميعها تجارب حديثة لم تأخذ حقها بالدراسة والتحليل كدراسة مقارنة مع نجاح وصمود مجلس التعاون الخليجي بذلك الوقت.
تذكرت ذلك وأنا أشاهد ما يتعرض له مجلس التعاون الخليجي اليوم من هجمات تحاول إفشاله كمنظومة أثبتت نجاحها، وقوة ثباتها أمام تحديات جسيمة مرت على المنطقة، وهي المنظومة الوحيدة في عصرنا الحالي التي صمدت أمام تلك التحديات ولا خيار آخر لنا كخليجيين غير التمسك بتلك المنظومة حتى وإن كانت لم ترتقِ لمستوى الاتحاد الأوروبي الذي نحلم به كخليجيين لما نملكه من مقومات نجاح هائلة قادرة على نقلنا من مستوى لمستوى أعلى بكثير مما نحن به الآن؛ فالأبعاد الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية شبه متطابقة.
باعتقادي أن ما يتعرض له مجلسنا اليوم هو نتيجة لما حققه من نجاح، وإن لم يحقق الطموح المرجو منه، وهذا يتطلب من مفكرينا وباحثينا دراسة ذلك لا أن تتم مهاجمته والتقليل من دوره وهدم ما تم إنجازه طوال نصف قرن تقريبا بسبب خلافات جانبية لا ترتقي لمستوى الوقوف ضد طموحه كمنظومة يسعى لها من لايعجبه نجاحه.
لذلك علينا تعزيز نقاط قوته، ومعالجة نقاط ضعفه فهو كمنظومة قادرة على أن تكون أساسًا متينًا بزيادة قوة ولُحمة مجتمعاتنا الخليجية التي أصبحت اليوم أكثر قربا مع بعضها البعض مما كانت عليه قبل ولادته، ومقومات نجاحه أعلى بكثير من مقومات فشله، يكفي أن تكون تجربته التجربة الوحيدة التي صمدت أمام كل التحديات، أربع حروب طاحنة، وهجمات متتالية، وخلايا نائمة، وتفجيرات ومفخخات، وطائفية بغيضة جميع تلك التحديات حاولت إفشاله، ولكن ومع كل ذلك صمد وسيصمد أمامها في وقت فشلت كل الوحدات التي شاهدناها في منطقتنا، والسبب الرئيس والأساسي هو الأنظمة الخليجية وشعوبها التي تربطها علاقات نموذجية.
فهل نرى تطوير مجلسنا ليرتقي لطموح الأنظمة وشعوبها في ظل هجوم واسع لإفشاله؟
هذا ما آمله كخليجي…