في الديمقراطيات المُعتقة التي مرت بما نمر به اليوم من ارهاصات وأمراض انتخابية ديمقراطية ينتخب المواطن برنامجاً وليس أشخاصاً، والمرشحون لتنفيذ هذا البرنامج ما هم إلا أشخاص يملكون ملكة الاقناع والحديث المفوه وسرعة البديهة ومستوى من الذكاء المميز وخبرة سياسية، وغالباً ما يتم تدريبهم وادخالهم بدورات وورش عمل بكيفية التعامل مع الإعلام ومع المواقف المحرجة وكيفية الرد على أسئلة الصحافة وأيضاً يعلمونهم فن الخطابة متى يرفع الصوت ومتى يخفضه وغيرها من متطلبات منصب رئيس أو نائب في البرلمان، ومن ثم من يصل لسدة الرئاسة أو البرلمان أو مجلس الشيوخ كسيناتور لا ترشيه السلطة ولا يشتريه تاجر ، لذلك نتيجة للخلل البنيوي في ديمقراطيتنا الناشئة والتي يرفض بعض الزملاء تسميتها تجربة والتي أراها لازالت تجربة وما تمر به ماهو إلا لبنة في هذا البناء الديمقراطي رغم كل سلبياتها التي كنت ولا زلت أحمل السلطة المسؤولية كاملة عنها.
نعم كانت السلطة لدينا طوال الستين عاماً الماضية تُناصب الدستور والديمقراطية عداء تجاوزت به الدستور ومواده ناهيكم عن امعانها بعد تنظيم العمل السياسي الشعبي وتركته هكذا يعمل عشوائياً حتى بعد التحرير عندما بدأت التيارات السياسية تنطم نفسها كتنظيم بنيوي قائم على لوائح تنظيمية هيكلية تدخلت السلطة به لتفجر من الداخل وتقسمه وهذا ما حصل مع المنبر الديمقراطي الكويتي مثلاً و الذي كنت أحد مؤسسيه وعملت على تفليشه وواقعه اليوم يشهد بذلك الذي لم يجد له مقراً ليمارس به نشاطه وشكله قريباً سيلفظ أنفاسه الأخيرة مثل ما سعت لتفليش الحركة الليبرالية التي أسستها و فلشوها.
مايهُمني في هذا المقام هو تنظيم العمل السياسي لايمكن أن تسعى الحكومة للاصلاح دون أن تتخلى عن سياساتها القديمة التي تشعر باضطراب ورجفه وتتدوده إن سمعت بأن هناك تنظيما يُنظم عمله السياسي ويطرح برنامج لمعالجة القضايا والأزمات التي تواجه المجتمع.
لذلك المطلوب اليوم وبشكل مُلح بأن تتبنى السلطة مشروع تنظيم العمل السياسي أي أنها تتبنى قانون لجنة عليا مستقلة للانتخابات التي بدورها تنظم العمل السياسي وفق أحزاب قائمة على أُسس وقواعد مدنية لا طائفية ولا قبلية ولا عائلية كما نرى اليوم في واقعنا الذي نراه بكل وضوح مما مزق المجتمع وقسمه طائفياً وقبلياً وعائلياً، وهذه الاحزاب مستحيل أن تقوم على أسس طائفية أو قبلية أو عائلية لأنها بكل بساطة لن تنجح إلا بتضامن مجتمعي يمثل كافة أطياف المجتمع والأهم من كل ذلك هو رفع السلطة يدها عن التدخل في عمل تلك الاحزاب عبر دس انفها بها، وحينها سيتمكن المواطن الناخب بأن يفُاضل مابين برامج تلك الاحزاب التي تستعرض برامجها في مهرجاناتها الانتخابية ويتقدمها المفوه والذكي حتى وأن كان لا اصل ولافضل له لأن الحزب يختار كارزما وليس لأنه ولد فلان أو علان.
هكذا تتطور الديمقراطيات ليس عبر تحذف العقل ولا رشوة نواب ولا شراء أصوات ناخبين ولا عبر تداخل الدين بالسياسة واللعب على عواطف الناخبين.