من موقع المتابعة اليقظة للتطورات الملتهبة في خاصرتنا الجنوبية، والتي باتت تشكل خطرًا داهمًا لا يقتصر على أمن واستقرار منظومتنا الخليجية فحسب، بل يمتد لزعزعة الأمن والسلم الدولي برمته – لا سيما بعد قفزة خام برنت نحو حاجز المئة وعشرة دولارات على وقع السيطرة الحوثية على مضيق باب المندب – حيث تتكشف بوضوح حتمية تبني مقاربات استراتيجية جديدة مختلفة تماما عن سابقتها.
إن الحل الأمثل والأوحد لهذه الأزمة الوجودية يكمن في تحصين البوابات الاستراتيجية، وفي مقدمتها تحويل الجنوب إلى أولوية قصوى الذي اعتبره صمام الأمان لدولنا الخليجية، وهذا التوجه يتطلب صياغة تفاهمات مستحدثة تستند إلى معطيات الواقع، والتعاطى مع حقيقة التمدد الشمالي، فالخبرة التاريخية تثبت أن المسارات السياسية والعسكرية التي جرى اعتمادها منذ مطلع العقد الماضي قد باءت بالفشل، ولم تنتج سوى خيبات متلاحقة؛ الأمر الذي يحتم إحداث انعطافة جذرية في الاستراتيجيات المتبعة ضمن بيئة جيوسياسية سائلة، يتنقل فيها السلاح بين الأكتاف في لمح البصر، في مشهد متجدد يعيد للأذهان تلك البراغماتية المتقلبة التي تجعل من الولاءات وجهة نهارية وعباءة ليلية ففي النهار ثورجي وفي الليل ملكي.
كم من مليارات صرفت في عهود سابقة دون طائل سوى اجترار الكوارث؟ ومن هذا المنطلق، طالما حذرنا من أن معالجة أزمات الحاضر بأدوية الماضي العتيقة لا يعدو أن يكون عبثاً سياسياً، خصوصاً بعد تجارب مريرة امتدت لعقود خمسة مضت وحتماً، لا يمكن لأحد أن ينتظر نتائج مغايرة الماثلة اليوم في الخاصرة الجنوبية الغربية تلك المنطقة الملتهبة التي اخشى أن تتحول إلى غرغرينا مزمنة في المنطقة، وهو تماماً ما يراهن عليه حلف التقاطع الثلاثي الصهيو-أمريكي-الفارسي لتمهيد الطريق نحو استباحة الجسد الخليجي بأسره، في ظل بيئة إقليمية تتربص به من كل جانب.
فهل ترتقي الرؤى إلى مستوى الحدث لإعادة حسابات التموضع وتدارك الأسوأ؟
هذا ما آمله…

