الغزو العراقي للكويت حدث لا ينسى

لم تكن ليلة البارحة ليلة عادية بالنسبة لي؛ أيقظتني زوجتي الساعة الرابعة فجرا لتقول لي بأن هناك هدير طائرات غير عادي فهل هناك حرب فقلت لها لعلك تحلمين ارجعي للنوم، وأصرت علي أن أستطلع الأمر، ولم أعرها اي اهتمام إلى أن جاءني اتصال من زميل كان في ألمانيا الساعة السادسة صباحا ليسألني هل هناك غزو عراقي للكويت؟ فقلت له: لا لم أشاهد اي شيء، فقال لي: إن الأخبار تنقل بأن هناك غزوا عراقيا للكويت فتذكرت الذي قاله لنا الدكتور غانم النجار الذي حضر لديوان المرحوم سامي المنيس الساعة الثانية عشرة تقريبا ليبلغنا بأن هناك حشدا عسكريا عراقيا على الحدود الشمالية، وحسب خبرتي المتواضعة والتي مرت بتجربة الهجوم على مخفر الصامتة الحدودي الكويتي من قبل القوات العراقية في 20 مارس 1973 وتجربة تهديد عبدالكريم قاسم عام 1961 وكنت على قناعة بأن ذلك لن يتعدى الحدود وفق المعطيات التاريخية، ولكن عندما علمت من مديرتي بأن زوجها قد شاهد الدبابات العراقية عند جمعية الشامية التي كان مقابلها وزارة الداخلية قلت لنفسي يجب أن أذهب لمقر عملي لآخذ كل الأفلام الميكروفيلمية كوني وقتها رئيس قسم الميكروفلم في مجلس الوزراء والتي تحتوي على كل وثائق المجلس من محاضر مجلس وزراء ومراسيم وقرارات ومراسلات وغيرها من وثائق؛ فنهضت وذهبت لمقر المجلس الذي هو حاليا تشغله وزارة الصحة في منطقة صليبيخات وفي طريقي على الدائري الرابع علقت بزحمة قبل جسر القاسم وحاولت إيجاد طريق بديل إلى أن وصلت للمجلس، ورفض ضابط من الحرس الوطني إدخالي فبحثت عن هاتف لاتصل بالمرحوم خالد الحمد الذي كان وقتها أمينا عاما مساعدا واتصلت به في المنزل ونصحني بعدم الذهاب للمجلس فقلت له ذهبت، ولم يسمح لي الضابط بالدخول لكي آخذ أفلام الميكروفلم رغم أنها نسخ وليست أصلية لأن الأصلية كنا نخزنها بخزينة في أحد البنوك.

تمر علينا هذه الذكرى الأليمة التي لا يزال أثرها باقيا في الذاكرة تلك الذاكرة التي تنعشتها رؤية تلك الطفلة التي كان والدها يأتي بها للمسجد ونصحته بعدم التواجد في منزله بعد أن تم اعتقاله وتعذيبه، وأخذت زوجتي أم خالد لمنزله كونها طبيبة لمساعدته بقدر الإمكان إلى أن جاء ذلك اليوم اللعين الذي أعدم به أمام منزله أنه الجار جاسم المطوع الذي جاءتني تلك الطفلة، وأنا جالس بإحدى الإدارات الحكومية لتقول لي بأنها ابنة جاسم رحمة الله عليه ومر علي شريط الغزو بلمح البصر، ولا يمكن نسيانه، ولا يمكن نسيان حرق بيت دشتي أو سناء الفودري التي سقطت بتظاهرة قرب مخفر الجابرية، ولا وفاء العامر ولا سميرة معرفي وغيرهم الكثير من الشهداء والشهيدات الذين ضحوا بأرواحهم من أجل أن يعيش الوطن.

ذكريات لا تنسى بهذا اليوم الذي لا زالت المنطقة تدفع ثمن تهور إنسان دمر أرواح الملايين من البشر، ولم يكن بخلدي مطلقا أن أعيش لأشاهد غزو جار لجاره بتكرار لمشهد نقلته لنا السينما عندما تغزو قبلية قبيلة أخرى، وكيف تخرب وتقتل وتدمر وتسبي وتغتصب النساء هكذا نحن العرب لازلنا نعيش بعقلية الماضي، ولم نتحرر منها، ولم نتعلم من تجاربنا مع الأسف، ولا زال إرهاص ذلك ينتاب البعض ويطمع بإعادة سيناريو الغزو مرة أخرى والمصيبة رغم كارثية النتيجة لا زلنا نسمع من يريد تكرار الغزو، وهذا ما يؤكد ما كنت ولا زلت أقوله باقتناع تام بأن ذلك ناتج عن خلل جيني.