بعد صراع طويل قارب النصف قرن مع الدول العربية تحديدا، وليس أي دولة جارة لطهران تحت شعار تصدير الثورة الذي يراه البعض بأنه شعار مستحق لأنهم يرون بأن أنظمة المنطقة أنظمةٌ ظالمةٌ والشعوب مظلومة وتصدير الثورة لهم لتخليصهم من الظلم واجب أخلاقي و سياسي و شرعي؛ لذلك ضمَّنته ذلك طهران كمادة بدستورها التي تنص على دعم المظلومين، وكأن المظلومين فقط في دولنا العربية، ولايوجد مظلومون لا يجدون قوت يومهم في طهران نفسها ناهيكم عن وجودهم في الأقليات المضطهدة كالأكراد والبلوش والأهواز أنفسهم التي احتل أرضهم الفرس عام 1925 .
مسألة المظلومية التي تتحجج بها طهران لم تعد تقنع الشارع الإيراني في الداخل فقط، وإنما ما رأيناه من قمع لكل من يرفع رأسه ليستنشق هواء الحرية يتم تصفيته تحت مليون مبرر، وكم شاهدنا أعواد المشانق تنصب للشباب الإيراني والأهوازي والبلوشي والكردي، ولن اتحدث عن المرأة الإيرانية التي هي ضحية بحد ذاتها ومظلومة بكل أنواع الظلم، ولا تجد لها نصيرا من النظام بل تجد الجحود والقتل والسجن والنماذج على ذلك كثيرة وأشهرها مهسا أميني.
طهران وصلت لطريق مسدود بعد تجارب نصف قرن من تبني مسألة تصدير الثورة، وصرفت على ذلك مليارات وقد تصل لتريليونات من الدولارات، وكسبت عداء كل دول العالم وأصبحت نظاما منبوذا دوليا مثله مثل نظام كوريا الشمالية، واستغلته كلٌّ من الصين و روسيا بشكل يدفع عنهما عداء واشنطن واستنزافها ردًّا على دعم واشنطن أوكرانيا وتايوان لذلك يغذيان طهران بالسلاح والمعلومات والإحداثيات ليس حبا في نظام ثيوقراطي متخلف للنخاع، ويتناقض تناقضا تاما مع الأيدلوجيتين الصينية والروسية.
طهران في طريقها للانهيار حتى وإن استمر الدعم الصيني الروسي، ستنهار لأسباب من الداخل أكثر منها أسبابا خارجية؛ فنسبة الفقر التي تشير لها بيانات مركز الإحصاء الإيراني نفسها، وتقارير وسائل الإعلام الاقتصادية (مثل صحيفة دنياي اقتصاد) إلى أن نسبة الفقر وصلت إلى 36%، وهو أعلى معدل مسجّل منذ أكثر من عقد وهذا يعني أن نحو 30 مليون إيراني غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية من غذاء وسكن، وخط الفقر الذي حددته الحكومة الإيرانية هو خط الفقر للفرد بنحو 6.1 ملايين تُومان شهرياً أي ما يعادل حوالي 56 إلى 60 دولاراً
وعليه فإن الفقر المعيشي للشرائح المتأثرة حيث يشير مركز البحوث التابع للبرلمان الإيراني وخبراء محليون إلى أن 50% إلى 60% من السكان يقعون تحت “خط الفقر النسبي”، مع صعوبة مواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات.
أليس نسبة 50-60% أي ما يعادل أكثر من ستين مليون إنسان من الشعب الإيراني مظلومين، ويستحقون من يدافع عنهم بدلا من تصدير ثورة لمجتمعات كانت تعيش بسلام، وصدَّر لهم نظام طهران الدمار والدماء والخراب والخزعبلات؟
هذا ما لايريد ملالي إيران نشره أو الحديث عنه بحجة محاربة الشيطآن الأكبر والأصغر، وفي الحقيقة هي أن النظام يهرب من استحقاقات سياساته التي أوصلت أكثر من ستين مليون إيراني لخط الفقر بتصدير الثورة وهو مدرك لذلك منذ البداية لذلك ضمَّنها دستوره.

