يوم أمس تحدثت عن مصطلح الأمن الفكري الذي طرحه الدكتور فهد بن مصبح في محاضرة له في ديوان ابن الدعيج، وعلقت على ذلك المصطلح وجائتني العديد من ردود الفعل الإيجابية، أمانةً لما لها من وجهة نظر تستحق أن نسلط الضوء عليها، ونناقشها لنستخلص منها العبر.
يقول لي أحد الباحثين من الذين تواصلوا معي، بعدما لفت نظره مصطلح الأمن الفكري بأن الدارج هو الأمن القومي، الأمن الاقتصادي، الأمن البيئي، الأمن المائي، وغيرها من تخصصات، ولكنه لم يسمع عن الأمن الفكري، وأراد تعريف واضح لهذا المصطلح، كونه مصطلحًا جديدًا وله عدة تعريفات من خلال اجتهاد البعض بتفسيره، وأحد تلك التعريفات تقول: “بأن الأمن الفكري هو أساس استقرار المجتمعات والأمم، وهو يصوِّب أهدافه للتصدي للأفكار الخاطئة المنحرفة”، وهذا التعريف يضعنا في زاوية ضيقة جدًّا تحتاج لتعريف آخر يحدد لنا ما هي الأفكار الخاطئة والمنحرفة؟ وقد يرى المرء توجهي الليبرالي فكرًا خاطئًا ومنحرفًا، وهذا ما أسمعه دائما، بينما أنا أرى فكر الداعشي فكرًا خاطئًا ومنحرفًا، وكلانا يحمل قناعة تامة من فكر بغض النظر عن ماهو ذلك الفكر، وكلانا من حقه امتلاك الفكر الذي يناسبه ويمثل قناعاته، وكلانا مقتنع بأنه على صواب، والوصول لهذه الزاوية الضيقة جدًّا إلى حد التصادم تتطلب منا أن نتفق على ألا يفرض كلانا على الآخر قناعته بالقوة الجبرية، وهذه هي أولى الخطوات نحو الأمن الفكري، وأجزم بأننا إذا وصلنا لهذه المرحلة المتمثلة في تأمين حق الآخر بالفكر كحق من حقوقه دون إجبارٍ، ودون إقصاءٍ وتهميشٍ لأي طرف يحمل فكرًا مخالفًا نكون قد وصلنا للأمن الفكري، حتى وإن كان الطرفان على طرفيْ نقيضٍ في الفكر، وهذا التناقض واضح وضوح شمس رابعة تموز .
لذلك يمكنني أن أجتهد بتعريف للأمن الفكري، كمساهمة متواضعة مني بأنه “الإيمان المطلق المتجرد من أي اعتبارات بحق الإنسان في أن يعتنق ما يتناسب مع قناعته من أفكار، ويروج لها بحدود تكافؤ فرص الترويج؛ شريطة عدم إجبار الآخرين عليها، ومنع المناهضين لها من نقدها”.
