قرأت يوم أمس مقالًا كتبه أحد الصحفيين مضمونه بأن هناك حملة شرسة ستوجه لشيطنة سلطنة عُمان بسبب موقفها الحيادي في حرب الخليج الرابعة التي لا زالت تدور رحاها على ضفاف خليجنا، حيث وجدت دولنا الخليجية نفسها طرفا بها دون مشاورتها ودون أخذ رأيها، ودون أن تكون البادئة بها، ودون أن يكون لها بها لا ناقة ولا جمل فكل دولنا الخليجية دفعت ولازالت تدفع ثمنًا فادحًا لتلك المغامرة التي ورط نفسه بها الرئيس الأمريكي ترامب ولا يزال متورطًا بها، ويريد من يخرجه من هذا المأزق الذي وجد نفسه به.
سلطنة عمان كانت ولا زالت تلعب دور الوسيط بين غريمين امتد صراعهما قرابة النصف قرن الماضي منذ اندلاع الثورة على نظام الشاه الذي كان حليفًا لأمريكا وبين ليلة وضحاها تحولت إيران من حليف لخصم شرس قاوم كل أنواع المعارك التي واجهته ولا يزال يقاوم حتى الساعة.
ما همني بذلك المقال هو التوجه لشيطنة السلطنة، ولا اعرف حقيقة فيما إذا كان ذلك صحيحا أم لا، ولكن تعلمنا في عالم الصحافة لا يوجد أمر يأتي هكذا بالصدفة ودون سابق إنذار فالهجوم على السلطنة ليس بجديد، وقد سبقه الكثير من الأحداث أهمها كشف خلية تجسس من دولة خليجية في عقر دار السلطنة، وهذا الأمر محزن جدا ما كان يجب أن يحدث من أساسه وأيضًا موقف السلطنة من الاتحاد الخليجي عندما طُرحت فكرة تحويل مجلس التعاون إلى اتحاد خصوصًا بدفع من المملكة العربية السعودية، حيث تحفظت عُمان بشدة، وصرّحت عام 2013 بأنها لن تنضم لأي اتحاد يمس سيادتها، مفضلة بقاء التعاون بصيغته الحالية، وهذا حق مشروع لكل دولة خليجية فالاتحاد يحتاج لأسس سليمة كالأسس التي قام عليها الاتحاد الأوربي وإلا حتما سيفشل وتحدثت عن ذلك بعدة مقالات، ومن ثم العلاقة مع إيران كانت ولا زالت تحتفظ بعلاقات جيدة ومتوازنة معها بحكم العلاقات التاريخية، بخلاف بعض دول الخليج التي تتخذ مواقف أكثر تشددًا هذا التباين ظهر في الوساطة العمانية في الاتفاق النووي الإيراني و
استمرار التعاون الاقتصادي، وعدم التصعيد الإعلامي أو السياسي ضد إيران كما أن موقف السلطنة من أزمة قطر 2017 والتزامها الحياد، وفتحت موانيها وأجواءها لقطر، اعتُبر ذلك خروجًا عن الموقف الجماعي لبعض دول المجلس، أما الحرب في اليمن فلم تشارك عمان في التحالف العسكري، وفضلت دور الوسيط، خاصة مع جماعة الحوثيين، وهو ما خلق اختلافًا في الرؤية مع بعض دول الخليج، ولا ننسى السياسات الخارجية المستقلة التي تعتمد على نهج “الحياد الإيجابي” وعدم الانخراط في الصراعات، وهذا أحيانًا يُفسَّر كابتعاد عن التوجهات الجماعية لدول الخليج، خاصة في الملفات الإقليمية شديدة الحساسة.
لذلك لم ولن أستغرب أنه تم شن حملة لشيطنة السلطنة؛ فالحياد له تداعيات وارتدادات وشظايا بما فيها شظايا إيرانية التي أصابت السلطنة رغم حياديتها، ومع ذلك ستظل السلطنة رافعة بيرق الحياد الإيجابي، فالتاريخ العميق للسلطنة، وتراكم الخبرات، وحكمة قيادتها هي من تحكم وليس ردود أفعال ستؤدي حتما لكوارث غير محسوبة العواقب.