ما أحوجنا لحقوق الإنسان في النزاعات
أنا على قناعة بأن الإنسانية تراكم خبراتها ببطء شديد جدًّا لا سيما في مسألة النزاعات المسلحة التي تحدث بين البشر بعضهم البعض، ومن يرجع لتاريخ تأسيس الصليب الأحمر، وهي منظمة إنسانية يجد أن تأسيسها جاء متأخرًا جدا جدا في الحياة البشرية حيث تأسست عام 1863 على يد هنري دونان بعد مشاهدته أهوال معركة سولفرينو في شمال إيطاليا، حيث تُرك آلاف الجرحى دون علاج، وبعدها كتب كتابًا بعنوان ذكرى سولفرينو دعا فيه لإنشاء فرق تطوعية محايدة لإسعاف الجرحى وتقديم المساعدة الإنسانية للجرحى والمتضررين من الحروب دون تمييز، ومن الملاحظ بأن تأسيسها قريب جدا رغم آلاف المعارك الطاحنة التي جرت للبشرية.
اليوم ونحن نعيش في ظل معركة طاحنة ما بين الأمريكان والكيان مجتمعين وإيران التي تواجه أكبر قوتين في العالم، وتملكان أسلحة فتَّاكة، وأيضا الملاحظ بأنها حرب عن بُعد يتقاذف بها الطرفان بالطائرات الحربية والمسيَّرات والصواريخ العابرة للحدود، ولم يلتحما وجهاً لوجه حتى الساعة، وفي حال الالتحام بمسافة الصفر حتما سيكون هناك ضحايا لا أتكلم عن العسكريين من الطرفين فقط، وإنما حتى المدنيين نتيجة لاستخدام أسلحة فتاكة تضرب عن بُعد، وتدمر كل من يكون في محيطها.
طبعا سيردد البعض كالعادة بأني مع هذا الطرف ضد هذا الطرف الذي يعتدي حتى على وطنك، ولكني أرد عليهم كما رددت بالسابق بأني ضد الحروب تماما، وأي حل لأي أزمة يجب أن يكون بالطرق الديبلوماسية وعبر الحوارات والمفاوضات لكي لا تصل للصراع المسلح، وهذا مبدأ أخذته على نفسي، ولا أزال أدفع ثمنه، ومستعد لدفعه؛ لأنه يمثل الإنسانية في جوهرها مع تحميلي مسؤولية ما يحصل لكل أطراف النزاع الحاصل حاليا في الخليج، ولا أعفي إيران المعتدى عليها من تلك المسؤولية، وأدينها بأشد عبارات الإدانات -هي والأمريكان والكيان الأزرق-، بالذات لنقلها معركتها مع الأمريكان والكيان إلى دول الخليج التي تسببت بمعاناة الملايين من البشر ليس على مستوى الخليج، وإنما على المستوى العالمي حيث بدأت تظهر بوادر تلك المعاناة على مجتمعات بشرية بأقاصي المعمورة.
من أجل ذلك كله التمسك بالقيم الإنسانية في حالات النزاعات المسلحة واجب إنساني وأخلاقي؛ لأنه بكل بساطة يدافع عن ضحايا لا ذنب لهم بصراع الفيلة الذي نراه على ساحاتنا الخليجية، نعم داخلي قهر على ما يحدث لوطني ولدول الخليج، وأدين وأستنكر تماما ما نتعرض له، ولكن بذات الوقت لن أسمح أن تتغلب على مشاعري روح الانتقام لأدخل في منطقة اللا إنسانية لتنتزع من ضميري الإنسانية بحد ذاتها، وهذا هو الفرق ما بين من يتمسك بالقيم الإنسانية من أجل الإنسانية ومن لا يحملها بداخله لتكون نبراسًا إنسانيًّا يحتذى به مثل سيد المرسلين وأشرفهم -عليه الصلاة والسلام- محمد بن عبد الله الذي وضع أول أساس إنساني للنزاعات المسلحة من أربعة عشر قرنًا، ولا زلنا مع الأسف نحبو نحو تلك الإنسانية، والدليل البون الشاسع التاريخيّ ما بين وصايا المصطفى التي جاء بها من اربعة عشر قرن وهنري دونان التي جاء بها بعد المصطفى بقرابة اثنا عشر قرن.