منذ ستينيات القرن الماضي كنت ولا أزال اسمع عبارة نعيش وسط أمواج عاتية وبحار هائجة، نخرج من حرب، وندخل أخرى وهلم جر، أنا لم أعايش العدوان الثلاثي عام 1956، ولكني أتذكر جيدا حرب 1967 التي كنا نسمع أحمد سعيد، وهو يطربنا بتساقط طائرات العدو مثل الذباب، واتضح بعدها بأنها هزيمة نكراء، وأتذكر حرب 1973 والتي تبعتها الحرب الأهلية اللبنانية، وما إن بدأت تظهر بوادر توقفها بعد خمسة عشر عامًا حتى اشتعلت حرب الخليج الأولى لتستمر ثماني سنوات، و ما أن تنفسنا الصعداء حتى اشتعلت حرب الخليج الثانية، ولم تطل المدة فقط سبعة أشهر لثم بعدها أحد الجنود بسطار علج في منظر مزعج ومقزز لا يزال راسخا في مخيلتي، وآنا أشاهد قناة ال CNN التي كانت تبث الحرب على الهواء مباشرة، ولن أتحدث عن حرب الإطاحة بنظام البعث في العراق عام 2003 ، ولا حرب العشرية السوداء في الجزائر، ولا حروب وليس حرب اليمن التي لازالت مستمرة، ولا الحروب في فلسطين وحرب غزة الأخيرة، ولا حرب سوريا وموسوعة الدواعش بقطع الرؤوس في بحر بقر البطون، ولا الحرب في ليبيا التي لا تزال مستمرة، ولا حروب السودان المستمرة منذ أكثر من نصف قرن، ولن أتحدث عن الحروب الخفيفة هنا وهناك التي تعتبر نزهة في تاريخ الحروب بين البشر، ولا عن التصفيات الجسدية، ولا عن السجون السرية، والآن باسم الله ما شاء الله تبارك الرحمن نعيش بأجواء حرب لا أحد يعرف عواقبها على شعوب المنطقة ولكن الذي أنا متأكد منه بأنها ستكون حربا غير الحروب التي عشنا بأجوائها منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى هذه الساعة، ولاحظوا أنا أتحدث عن حروب عسكرية، ولم أتحدث عن الحروب الاقتصادية ولا الاجتماعية الطائفية القذرة والمتخلفة؛ لأني لو أدخلت بقية الحروب فهذه تحتاج لمجلد وليس مقالا واحدا.
إن استمرار مثل هذه الحروب بمنطقتنا في النهاية الجميع خاسر بها، وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها لا أنظمة ولا تنظيمات ولا تيارات ولا أحزاب ولا حتى الشعوب رابح بها بل بالعكس الشعوب هي التي تدفع ثمن تلك الحروب من دماء الأبرياء الذين وجدوا نفسهم في وسطها دون أن يكون لهم رأي بها مطلقا.
لذلك من المؤلم أن نرى اليوم من لا يدرك معنى كلمة سلام ولا معنى حق الشعوب بأن تعيش بحرية ترسم بها مستقبلها، والمؤكد بالنسبة لي هناك من سيقول بأنها مؤامرة، ولن أصدع رأسي بمناقشة هذا التبرير، ولكني أصر على أن الأمم التي تكرر أخطاءها دون أن تستفيد من تجاربها هي الأمة التي تركت الأبواب مفتوحة ليتآمر عليها الآخرون؛ فاللوم بالدرجة الآولى يجب أن نلقيه على أنفسنا لا على أقرب زاوية شارع مهجور تحيط به الكآبة لتنتج لنا شعوبا مشوهة ثقافيا غير قادرة حتى على تلمّس طريق الخلاص من طريق الآلام الذي تعيش به.
فهل من حل لهذه الأزمة الثقافية؟