ماذا ينتظرنا في وسط هذا التلاطم الإقليمي؟

لا شك بأن الوضع الإقليمي في حالة اضطراب ومخاض عسير، ومن المؤكد بأننا نشاهد تغيرات في قواعد اللعبة ترتقي لمستوى تاريخي غير مسبوق، ولعلها تقارع ما حدث بعد انهيار آخر نظام خلافة إسلامية في التاريخ المعروفة بالخلافة العثمانية التي كان مقرها في إسطنبول، هذه التغيرات تمثلها حالتان بالعموم، الحالة الأولى: تدافع عما هو قائم ولا تريد تطوير نفسها وذاتها معتقدة بأن أي تطوير سيمس مصالحها؛ وهذا ما يجعلها تقاوم كل ضغوطات التغيير، ويدعمها جمهور واسع بعضهم من المستفيدين من استمرار الوضع على ما هو عليه، وآخرون كنتيجة طبيعية لغموض المستقبل وإن حدث بحاضره بعض -وأؤكد على كلمة بعض- القشور التي لا تلامس جوهر التغيير ذاته، وإنما تغيرات يمكنني تسميتها شكلية، وبالنسبة لي هي تغيرات لمحاولة وقف المتطلبات الحقيقية.

الحالة الأخرى: تتبناها دول وأنظمة ولديها أذرع منظمة جدا، وتنفق عليها مليارات لتعزيز مكانتها، وتسابق الزمن لتضع لها موضع قدم في أي حالة تغيير تجري على الأرض حتى وإن كلفها ذلك بحورًا من الدماء، وتشوهات اجتماعية عميقة ستظل أجيالًا وأجيالًا ستدفع ثمنها، وقد تصل للتقوقع الاجتماعي والمذهبي، وهذا ما يفسر لي على الأقل الاضطرابات التي تحدث في دول مسها ما اُصطُلح على تسميته بالربيع العربي التي انتفضت شعوبها لطلب الحرية والعدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان والتخلص من الدكتاتورية، ولكن هناك من استطاع أن يحول تلك المطالبات لبحور من الدماء لتكون عبرة لكل من يحاول مس مصالحهم؛ لذلك دعموا التيارات الدينية السياسية التي هي غريمهم التقليدي ليكون هو البديل في حال ما إذ مُسَّت مصالحهم لأنهم يدركون تماما بأن في حال ما إذ استولى ذلك التيار على السلطة سينكل بالشعوب ليترحموا على من تركهم لقمة سائغة في أفواه من تربوا على الكراهية، وأرضعوهم دماءً، وهذا ما حدث وسمعناه سواء بتراثنا الدموي أو حتى ما عاصرناه.

فهل تجتاز شعوب المنطقة هذه المرحلة بأقل الخسائر البشرية؟

Shopping Cart
  • Your cart is empty.