هل تقبل مني طهران هذا الرهان؟!

أكثر ما استوقفني، وأنا أقلّب صفحات الأخبار أُطالع مجريات أمور منطقتنا المنكوبة بأزمات تلد أزمات، وحروب تُفضي إلى حروب، هكذا دواليك بلا انقطاع؛ فما إن تخرج المنطقة من حرب حتى تقع في أخرى، وإن عزّ الاعتداء الخارجي، تداعت المجتمعات لتقتتل بينها بألف حجة وحجة. ولعمري، ذاك ديدن متأصل منذ القدم؛ فما أسهل أن يسبق خيلُ قبيلة خيلاً منافسة لقبيلة أخرى حتى تشتعل لأجل ذلك حرب داحس والغبراء وتستمر أربعين عاماً، وكأن منطقتنا منذ ما قبل تلك الحقبة لم تكن سوى مصنع دائم للحروب.

بالأمس، طالعني نبأ تحذير طهران لدول الخليج من الامتثال للحصار التجاري الأمريكي المفروض عليها، ولا أدري حقاً سرّ استهداف طهران لدول الخليج وحدها بالتحذير، متجاهلةً ست دول أخرى تجاورها! وهو أمر يؤكد ما فتئتُ أكرره مراراً وتكراراً من وجود تخادم صهيو-أمريكي إيراني، ينجلي مع كل حدث ويزداد وضوحاً بلا شك.

لم أسمع قط في حياتي بدولة تهدد جيرانها لترغمهم على التجارة معها بالقوة، غير نظام طهران الذي تفرّد بهذا النهج بعنف مُقزز، عاكسًا بذلك تخبطاً يعكس حاجته الماسة لمن يرشده إلى طريق الرشاد في تعامله مع جيرانه، سيما وهو يعيش عزلة لا تقتصر على محيطه الإقليمي بل تطال العالم بأسره، ضجراً من عنجهية تصرفات سئمها التاريخ مثلما سئم أفعال القذافي وصدام وبشار وبن علي فأطاح بهم.

إن ما يعانيه الشعب الإيراني العظيم، صاحب الحضارة الفارسية الجليلة التي أغنت الإنسانية طويلاً، لا ينسجم البتة مع سياسات هذا النظام الذي يسوقه نحو الهاوية؛ فهو نظام شيطاني بامتياز، دأب على تصدير أزماته كلما ضاق به خناق الفشل أمام شعبه العريق، وآن للشعب الفارسي أن ينعتق من قيد استبداد هوى به إلى قاع سحيق لا قرار له.

أمّا في معرض الرد على تهديد طهران لدول الخليج بشأن عدم الامتثال للعقوبات الأمريكية، فأقول: إن دول الخليج دولٌ حرةٌ ذات سيادة، لا يملي عليها أحد ما تفعل وما تذر، ولتعلم طهران أن دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، قد أثبتت مراراً رفضها الخضوع لإملاءات الخارج حين يتعلق الأمر بثوابتها، وفي مقدمتها الموقف الراسخ لسمو الأمير محمد بن سلمان الذي يرفض رفضاً تاماً أي حديث عن التطبيع قبل عودة الحقوق الفلسطينية المسلوبة لأهلها، متجاهلة طهران وقاحة من اغتال القيادات الفلسطينية في عقر دارها وتحت حمايتها متحدياً أمنها ومنتهكاً سيادتها.

فهل تقبل طهران مني هذا الرهان، وتتحدث عن رفض الرياض أي تطبيع قبل إقرار حق الفلسطينيين؟

والسؤال الأهم أليس من المنطق أن تدعم طهران السعودية بدلا من مهاجمتها طالما أن طهران تدَّعي بأنها مع القضية الفلسطينية؟

أترك الإجابة لكم…