غزة، وانتصار البطة السوداء!

منذ نعومة أظافري، ومنذ وعيت على هذه الدنيا، وأنا أميل دائما للمظلوم؛ والمؤكد بأن التربية والبيئة والتعليم له أثر بالغ في ميولي للمظلومين، وأتذكر حتى هذه اللحظة قصة البطة السوداء التي رفض بقية البط الأبيض أن تلعب معه وترافقه في جولاته السباحية، وهي من أكثر القصص التي أثرت في نفسي وأنا طفل.

منذ مساء أمس، وأنا أتابع آخر التطورات عملية وقف إطلاق النار في غزة، لفت نظري رأيان، رأيٌ يعتبر ما حدث وما توصل إليه طرفا الصراع انتصارًا، والرأي الآخر يرى بأن ما حدث ليس انتصارًا فأي انتصار هذا، وضحاياه تجاوزت الستين ألفًا، ودمار شامل لقطاع كامل.

بطبيعة الحال الانتصارات دائما تكلفتها عالية، وهذا أمر طبيعي في كل الحروب لا يوجد انتصار قليل التكاليف سواء بالأرواح أو المعدات، وحتى الهزيمة تكلفتها أيضًا عالية، فالحروب دمار على كلا الطرفين، والمنتصر الحقيقي هو وقف الصراع والجلوس على طاولة المفاوضات كنتيجة طبيعية لأي حرب حتى حرب روسيا وأوكرانيا ستتوقف، وسيجلسون على طاولة مفاوضات، كما توقفت حرب السعودية واليمن، ولا شك لدي بأن حرب غزة انتصرت بها القضية الفلسطينية ووضعتها على أجندات معظم الشعوب، وبالأخص الشعوب الأوروبية، وحتى الشعب الأمريكي الذي لم يكن يهتم بالقضية الفلسطينية أصبح اليوم يوجه اتهامًا لقادته بمشاركتهم في الإبادة الجماعية التي تحدث للشعب الفلسطيني يسمون الأسماء بمسمياتها genocide، وتغيُّر القناعات لا يأتي إلا بعد دم ودمار وخراب، وهذا ماحدث؛ لذلك أرى من وجهة نظري بأن من انتصر بهذه الحرب المكلفة هي القضية الفلسطينية، وهزيمة لليمين المتطرف الصهيوني الذين حتى الساعة يرفضون التسليم بحقيقة أن القضية الفلسطينية انتصرت عليهم، وليس حماس ولا الجهاد ولا السلطة الفلسطينية ولا غيرهم .

أي أن من انتصر هي البطة السوداء التي قاومت كل ظروف الحروب التي خاضتها من عزل وقتل واغتيال ومصادرة الحقوق والأراضي والبيوت؛ لتؤكد في النهاية حقيقة أن من ينتصر في النهاية الخير على الشر، ولا تزال المعركة لم تحسم بعد، ولكني أستطيع أن أتبنى الرأي الذي يقول قد تربح معركةً، وهذا ما حدث، ولكن لم تخسر حربًا طالما أن الحسم لهذه الحرب يحتاج لظرف قد لا يتاح اليوم، ولكنه كحتمية تاريخية سيأتي غدًا، وستنتصر البطة السوداء وسأنتصر لها.

Shopping Cart