هل تدفع الأوضاع الراهنة دول الخليج لإدراك أهمية ميناء الدقم؟
لقد أثبتت الأحداث المتسارعة في الأيام القليلة الماضية ما كان واضحاً للبصير قبل غيره: لا يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تظل رهينة للوضع الراهن القائم على الاعتماد شبه الكامل على موانئ محدودة تقع في نطاق ضيق من الجغرافيا البحرية بالذات موانئ دول الإمارات، قطر، البحرين، والكويت — وإن كانت تخدم مصالح اقتصادية وتجارية حيوية — تبقى جميعها محاصرة ضمن الخليج العربي، وتعرّضت في أكثر من مناسبة لضغوط جيوسياسية تؤثر مباشرة على حركة التجارة وأمن الإمدادات.
من هنا يتضح بجلاء أن الحاجة أصبحت مُلحة لوجود بدائل حقيقية على السلسلة اللوجستية البحرية، موانئ ذات عمق استراتيجي وابتعاد جغرافي عن نقاط التوتر التقليدية، قادرة على تكامل أدوارها لخدمة مصالح دول الخليج كمنظومة واحدة، وليس كجزر معزولة في بيئة متقلبة.
ومن بين هذه الموانئ، يبرز ميناء الدقم في سلطنة عُمان كأحد الحلول الاستراتيجية الواعدة، لما يمتلكه من موقع مفتوح على محيط هادئ بعيد عن الاختناقات الجغرافية والسياسية، كما أن ميناء جدة الإسلامي في المملكة العربية السعودية أيضاً يمثل نقطة لوجستية محورية على الطريق التجاري بين الشرق والغرب، ويستطيع أن يلعب دوراً تكاملياً مع بقية الموانئ الخليجية في حال تهيئة الرؤية والتنسيق المشترك.
لقد كشفت الأحداث الأخيرة — بدءاً من إغلاق مضيق هرمز وحتى التوترات الإقليمية المتصاعدة — هشاشة المعادلة الحالية بجلاء، فالتجارة الخليجية، التي تعتمد بشكل أساسي على فتحات مائية محدودة، باتت معرضة للتأثير بمجرد اندلاع أي صدام سياسي أو عسكري في المنطقة، وهذا ما يجعل من اعتماد استراتيجية تكاملية بين الموانئ البحرية الخليجية ضرورة استراتيجية، وليس خياراً مرحلياً.
إن تكامل الموانئ لا يعني فقط ربط البنى التحتية، بل يعني توحيد الرؤى، تنظيم شبكات الربط البحري، تحفيز الاستثمارات المشتركة في المشروعات اللوجستية، وإقامة منظومة بحرية قادرة على امتصاص الصدمات وتقليل الاعتماد على مسارات واحدة أو محور جغرافي معين.
السؤال اليوم هو:
هل سيكون مجلس التعاون لدول الخليج العربي قادراً على تبني هذه الاستراتيجية؟
هل ستتجاوز دوله الحسابات التقليدية وتدرك أن التكامل البحري لم يعد رفاهية سياسية أو اقتصادية، بل ضرورة أمنية لاستقرار المنطقة وحماية مصالحها؟
أنا أأمل ذلك، وآمل أن تتجه الرؤى الخليجية نحو آفاق أوسع وأكثر استدامة، تستند إلى شراكة حقيقية في بناء بنية تحتية بحرية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل