لا شك بأن أواصر العلاقات بين شعوب دول الخليج من أكثر الأواصر متانةً وارتباطًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وتاريخًا مشتركًا وتعاونًا أثبت جديته ومتانته في أزمة الغزو العراقي للكويت، وإن مرت العلاقات بمحطات مزعجة إلا أن احتواءها وتجاوزها سرعان ما فرض نفسه على المشهد الخليجي برمته.
اليوم بعد مرور قرابة نصف قرن على إنشاء منظومة مجلس التعاون الخليجي، ومع مرور كل الأحداث التي طبعت بتاريخ منطقة الخليج وآخرها والمؤكد لن يكون أخيرها الاعتداء على الشقيقة قطر، ومع تطور الأحداث في المنطقة التي تتحدث عن تغيرات تاريخية جيوسياسية، والحديث عن تشكيل ناتو عربي لمواجهة تلك التغيرات، فهذا أمر خطير يجب التوقف عنده مليًّا ونفكر بطريقة برغماتية تحفظ أمن واستقرار دول الخليج وشعوبها وهذا يتطلب تغيرات جذرية في التعاطي مع هذه المرحلة، وأهمها تغير استراتيجيات السياسات الداخلية منها الانفتاح أكثر على الشعوب لتقوية الجبهة الداخلية الخليجية، وإعادة النظر في التحالفات مع دول العالم التي لم تعد تحقق أمن واستقرار دول الخليج ومن ثم الانفتاح على العمق اليمني بالذات الجنوبي على اعتباره يمثل عمقًا استراتيجيًّا متجانسًا تماما مع دول الخليج، وله أهمية اقتصادية كبرى كممر مائي بديل عن مضيق هرمز، وهناك تقارير تحدثت عن إنشاء قناة مائية تربط الخليج العربي ببحر العرب عبر حضرموت المكلا، وأيضا قوة بشرية رافدة للقوة البشرية الخليجية.
أنا أجزم بأن فيما إذا طورت المنظومة الخليجية من سياساتها وفق ذلك المنظور الثلاثي الانفتاح الداخلي، وإعادة النظر بالتحالفات الخارجية، واعتبار الجنوب عمقًا استراتيجيًّا حتما ستقوى الجبهة الداخلية الخليجية؛ وتنتقل من مرحلة استنفدت بها كل مقومات مواجهة المخاطر التي تهدد دول الخليج لمرحلة تاريخية تحفظ أمن واستقرار دولها وشعوبها وأنظمتها الحاكمة.
فهل نرى تغيرات جذرية تتواكب مع التطورات الإقليمية والدولية في المنطقة والعالم الذي لم تعد معه سياسات الأمس ملائمة لليوم فما بالنا للمستقبل، وأيضاً لا تتلاءم مع تطور أجيالها التي لم تعد أجيال الأمس، وإنما أجيال المستقبل؟
هذا ما آمله…
