تنازعت البشرية الكثير من الأنظمة التي مرت عليها منذ قرون طويلة ولا زالت تعاني من مشاكل وأزمات لا حدود لها ولم تستقر، وقد اختبرت كل أنواع الأنظمة بما فيه النظام المدني الذي جرَّبته بعض المجتمعات، ونجحت به وبعضها لا يزال بعداء دائم معه.
النظام المدني ميزته أنه يحدد الأمور بشكل دقيق، ولا تخضع معاييره إلى أمزجة أو مصالح؛ لذلك نرى المجتمعات المتطورة تطورت بناءً على هذا النظام ليس ذلك فقط بل النظام المدني نقل البشرية من مرحلة تاريخية لأخرى بينهما بون شاسع مع الحضارة البشرية، ولا أدل على ذلك مما تتمتع به اليوم البشرية من تقدم علمي ومعرفي وحضاري، ففي القرون الثلاثة الماضية قفزت البشرية بها قفزات هائلة من التطور انقلبت بها الموازين رأسا على عقب، وأصبحت المقارنة مع عصر الصناعة وما قبلها ضرورة لفهم ما أنتجه لنا النظام المدني على مستوى البشرية، وكان من الطبيعي أن يكون لتلك التغيرات أعداء عارضوها، وعلى سبيل المثال، اعتراض أصحاب عربات الأحصنة في أمريكا على ابتكار السيارات، واعتراض العرب على العجلة الهوائية أسموها حصان إبليس لأن عقولهم لم تستوعب تحرُّكها، ولا أنسى الراديو الذي كان يطلق أصواتًا، وأسموه حديدًا يتكلم، ولن أذكر بالذات اعتراض أصحاب الفكر الديني على كل ما هو جديد ومبتكر ليس لدينا فقط، وإنما حتى في الغرب الذي عانى من سيطرة وهيمنة رجال الدين وتحكُّمهم في المجتمع وتطوره، وأخَّروا تطوره قرونًا طويلةً وأسموها بعصور الظلام.
اليوم وبعد كل التجارب التي مرت بها البشرية بأنظمة متعددة منها الدينية، ومنها الشيوعية، ومنها الاشتراكية ثبت بالدليل القاطع بأن النظام المدني هو النظام الذي طوَّر البشرية لما هي عليه اليوم، وليس غيره من أنظمة، ولا يمكن لأي أحد أن ينكر تلك الحقيقة.
لذلك نرى محاربة النظام المدني من قِبَل أعداء التطور والتقدم، وهم من يقفون حجر عثرة أمام تطوُّر المجتمعات لأن بكل بساطة مصالحهم تتضرر من ذلك التطور، من أجل ذلك يعادون ويحاربون النظام المدني، وإن سألتهم لماذا؟ يُرجعون ذلك لأمور لا علاقة لها ألبتة بالحرص على تطور المجتمع بل غالبا ما يحاربون ويقاتلون لكي ترجع الأمور للماضي.
لذلك لا حل لتطور المجتمعات إلا بالنظام المدني الذي أثبت صلاحيته للبشرية، غير ذلك ما هو إلا إعادة إنتاج كوارث للبشرية.
