رغم كل التجارب التي مرت بها الشعوب التي اتبعت نظامًا ثيروقراطيًّا بإدارة شؤونها طوال القرون الماضية وحتى القرون القادمة، يصطدم ذلك النظام بالشعوب وينهار في النهاية؛ لأنه نظام جامد لا يتواكب مع متطلبات تطور الشعوب؛ لذلك يصطدم مع الشعوب ذاتها التي تبنته كنظام، ومن ضمن العوامل التي تجعله يصطدم مع الشعوب هو جموده السياسي، وفقدانه آلية تبادل السلطة، فهناك شعوب استوعبت تلك النقطة بشكل جنَّبها الجمود السياسي، وشرعت لها دساتير تحدد فترة معينة بتداول السلطة؛ لأن الجمود بالسلطة لا يطور المجتمع بل التنافس المبني على أسس دستورية وقانونية تلزم المتنافسين على تقديم الأفضل لمجتمعاتهم، وهو من يحفز المتنافسين على تقديم خدمات أفضل لكسب ود الناخبين، وهذا الأمر لا يتيحه النظام الثيروقراطي.
الشعب الإيراني ثار عدة مرات خلال العقدين الماضيين، انتفاضة الطلاب عام 1999، وانتفاضة الحركة الخضراء عام 2009، واحتجاجات عاميْ 2017-2018، وانتفاضة نوفمبر عام 2019، وانتفاضة ثورة المرأة الحياة الحرية عاميْ 2022-2023، والانتفاضة الحالية المستمرة من قرابة أسبوعين أي أن الشعب الإيراني انتفض ضد النظام ست مرات، وتم قمعها بالقوة وتكرار تلك الانتفاضات يعني بأن المجتمع أصبح لا يطيق استمرار ذلك النظام رغم أن المتواجدين في الشارع اليوم هم أبناء النظام ذاته درسوا وتخرجوا في مدارسه ومعاهده وجامعاته، وأسوأ ما تداولته الأنباء وأتمنى ألَّا تكون أنباء صحيحة في هذه الانتفاضة هي مشاركة عرب من أحزاب وتيارات موالية للنظام الثيروقراطي ضد الانتفاضة الحالية الذين سبق لهم بأن شاركوا بقمع الشعب السوري ضد نظام الأسد، فإن صحت هذه الأنباء فهي بالفعل أنباء كارثية ستعمق كراهية الفرس للعرب أكثر مما هي عليه تاريخيا.
وأخيرا، لا يمكن نكران انتفاضة شعبية تطالب بحقوقها المشروعة، سبق وأن ذكرت مهما كانت مقاومة النظام لهذه الانتفاضات الشعبية فحتما سيصل لنقطة لا يمكن معها وقف زحف الانتفاضات على النظام؛ وسينهار في النهاية لسبب بسيط، وهو عدم قدرته على تجديد ذاته بذاته كنظام.