في إحدى السنوات الماضية وصلتني دعوة لحضور معرض رسم لفنان كويتي فنظرت لهذه الدعوة وموعدها، وفرحت بها للأمانة لأنه قدَّرني؛ وأرسل دعوة باسمي، واعتبرت ذلك تقديرًا منه، وبالفعل هو تقدير منه لي شخصيًّا، ولكني مع الأسف لتخلفي بترتيب مواعيدي نسيت موعد تلك الدعوة، ولم أحضرها؛ ولتخلفي وقلة ثقافتي لم أتصل به على الأقل للاعتذار وحتى اليوم أشعر بعدم رضا نفسي؛ وأشعر بأني ارتكبت جريمة بحقه، ولا يزال هذا الشعور يلاحقني حتى بعد وفاته -رحمة الله عليه- وبعدها حرصت على أن أحضر لمثل تلك الدعوات من الفنانين والمبدعين حتى ولو لم توجه لي دعوة شخصية فقط دعوة عامة، وفي إحداها حضرت لمعرض الفنان عبد الوهاب العوضي، ولم أجد أحد غير الفنان النحات سامي محمد، وانتظرت بعض الوقت لأرى فيما إذا كان أحد سيحضر لمشاهدة لوحاته التعبيرية الرائعة حتى من الصحافة لكن للأسف؛ لم يحضر أحد على الأقل أثناء وجودي.
أقول ذلك بعدما دخلت مجال الكتابة الصحفية، ومجال الدفاع عن حقوق الإنسان، وتجربة كتابة المذكرات والأحداث وكتابة الرواية، وعرفت كمية الجهد الذي يبذل في الكتابة وشعرت بمشاعر الفنان الذي يرسم، والذي قبل أن يضع ريشته على اللوحة يتصور المشهد الذي سيرسمه ويدخل بتفاصيل تفاصيله الدقيقة، وعندما تكتمل الصورة الذهنية في عقله الباطن يخرجها ليراها العالم، وهذه القدرة لا يمتلكها إلا القليل من البشر.
يوم أمس عندما تطرقت في مقالي عن البيئة التي تساعد على الإبداع تواصل مع فنان مبدع يشكو لي من الإهمال الذي يواجهه كفنان؛ فذكَّرني في صف الثاني متوسط بعدما قام طالب ليلقي قصيدة فألقاها بإيقاع وإلقاء رائع كإذاعي، وليس كما نقرأها عادة وكأننا نقرأ سطرًا من جريدة دون إيقاع، وصوت يعلو وينخفض، فما كان من المدرس إلا أن قال له يعني “بتعمل نفسك شاعر”، اجلس ياولد، ومن يومها عرفت بأن علتنا باطنية وثقافية وحضارية، وأمامنا مجهود وجهود كبيرة وتغيرات عميقة إذا أردنا الوصول للحضارة البشرية التي تسير بسرعة الضوء نحو المستقبل، وهناك من لا يزال يقاتل من أجل أن يرجعنا للماضي.
يقول المتنبي:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ *** وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها *** وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ