تلقيت يوم أمس من فخامة الرئيس علي ناصر محمد رئيس اليمن الجنوبي السابق مقالًا بعنوان: طريق السلام يبدأ من القدس، وبداية أشكر فخامته على إرسال تلك الرسالة، ووعدته بأن يكون لي بها رأيٌ لعل تبادل الأفكار يكون لصالح مبتغانا ومسعانا نحو سلام ينشده كل عقلاء المنطقة؛ ليحفظ أمن شعوبها، حيث لا خلاف على ذلك من حيث المبدأ، ولكن كما يقال: وماذا بعدُ يافخامة الرئيس؟ علينا أن نفكر بذلك، ونرسم خطط ما قبل وما بعد التحرير، وليس فقط خططًا للتحرير، هل فكرنا في اليوم التالي من تحرير القدس؟
أنا أُجزم وبكل ثقة، يا فخامة الرئيس بأنه لو تم تحرير القدس غدا ستنشب معركة يروح ضحيتها أضعافًا مضاعفةً من عدد الضحايا الذين سقطوا على يد الصهاينة منذ عام 1947، هذا أمر ، والأمر الآخر الذي هو أمرُّ منه؛ هناك بون شاسع جدا ما بين الأماني والواقع فالواقع يا فخامة الرئيس يقول لك لا يمكنك تحرير شبر واحد من أرض احتلها عدوٌّ لك بجنود غير أحرار ، كيف تريد تحرير أرض من مغتصبها بجندي راتبه 20 دولارًا كالحندي السوري مثلا أيام النظام السابق أو جندي مذلول ومرغم، ولديه أطفال يبحثون عن كسرة خبر من صناديق الزبالة، أو جندي تعيش أسرته بلا كهرباء، وأن حصل عليها لا تتعدى ساعاتها عدد أصابع اليد الواحدة، أو جندي يرى فساد قادته ينهبون لإطعام أسرهم، ولن أتحدث عن النخب والمثقفين والمؤثرين في مجتمعات منطقتنا الذين أصبحت كتابة حرف واحد هاجسًا يلوح لهم بالسجن بين ثنايا حروف رأيهم.
فخامة الرئيس أتفق معك بتحرير القدس، ومؤمن تماما بالسلام، ولكن هذا لن يتحقق بإنسان لا يملك حريته لذلك قبل أن نفكر مجرد تفكير بتحرير القدس لفرض سلام لا بد من تحرير هذا الإنسان الذي ستخوض به معركة التحرير من القيود المكبل بها بدأً من تحرير كرامته، ولا تنتهي عند تحرير إنسانيته.
يقول محمود درويش في قصيدة عن إنسان:
وضعوا على فمه السلاسل
ربطوا يديه بصخرة الموتى، وقالوا: أنت قاتل!
أخذوا طعامه والملابس والبيارق
ورموه في زنزانة الموتى وقالوا: أنت سارق!
طردوه من كل المرافئ
أخذوا حبيبته الصغيرة
ثم قالوا: أنت لاجئ
يا دامي العينين والكفين
إن الليل زائل لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل
نيرون مات، ولم تمت روماً… بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل..!