قبل يومين، كتبت مقالًا بعنوان ما لا ترضاه على نفسك لا ترضاه على الآخرين، وكنت أعني به مسألة حل جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم حزبي ديني سياسي في الأردن كما تقرَّر مؤخرا، وذكرت بأني أختلف اختلافًا كليًّا وجوهريًّا وجذريًّا مع فكرهم، وأرفضه رفضًا قاطعًا لأنهم يسعون لحكم شعوب المنطقة من منطلق ديني أي أنهم يريدون تطبيق الشريعة وإقامة الخلافة الإسلامية، أي أنهم يريدون نسف كل ما هو قائم اليوم، واستبداله بنظام آخر مؤمنين تماما بأنه سيحقق نجاحًا، ويستشهدون بالتجربة الأردوغانية في تركيا كنموذج من النماذج التي حققت نجاحات ليس بفضل تطبيق الشريعة بقدر ما هو تطبيق الفكر الإداري العلماني، أو انموذج الكارثي المتمثل في النموذج الأفغاني الذي لا يريدونكم مشاهدتهم ولا سماعهم.
اختلافي هنا مع مناهضي تلك الجماعة هو في أسلوب معالجة وجودهم، ففي حل تنظيمهم ومصادرة منقولاتهم قلت وأوكد لا يعالج فكرهم، وذكرت تجارب سابقة بالذات ما حدث في مصر منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي فجميعها معالجات فشلت، والدليل انتشار ذلك الفكر حتى لدى الأجيال الجديدة؛ وبالتالي فمعالجة فكر ما لا تتم بالقمع والحل ومصادرة أموال ولا منقولات المعالجة يجب أن تكون معالجةً فكريةً، وهذا ما تخشاه على ما يبدو أنظمة المنطقة، وهنا بيت القصيد، فمن الواضح والذي أعتقده وأميل له بقوة هو ليس الخوف من حل جماعة دينية سياسية، وإنما الخوف من انتشار فكرة معالجة الفكر بالفكر؛ لذلك شاهدنا رجل دين ظهر لنا في مقطع يقول: لا تستعمل عقلك!، ولكم أن تتخيلوا حجم الأزمة التي تعيشها شعوب هذه المنطقة الذين نشاهدهم يمارسون ممارسات غاية في الغرابة سواء ممارسات سياسية أم دينية التي تعبر عن جهل عميق، والمصيبة، يتفشى ويصل لمستويات صناع القرار.
لذلك لا بد من طرح عدد من التساؤلات لفهم الحقيقة:
لماذا نكرر ذات التجربة، ونحن متأكدون من فشلها؟!
لماذا الإصرار على عدم حلها بالمنطق والعقلانية؟!
هل الإصرار على تلك المعالجة الخاطئة، ونحن واثقون تماما بأنها ستقوي ذلك الفكر، ولن تقضي عليه سيغير الواقع؟
لماذا الخشية من معالجة الفكر بالفكر؟!
مَنْ المستفيد من تلك المعالجة الخاطئة؟!
لماذا فشلت كل لجان المناصحة التي تم تأسيسها لنصح أصحاب الفكر الديني السياسي الذين تأسسوا على فكر متطرف رعته ودعمته الأنظمة بحجة المحافظة على عاداتنا وتقاليدنا؟
والسؤال الأخير والمهم، لماذا لا تزال بعض الأنظمة تدعم أساسًا تلك التيارات الدينية السياسية؟!
وأخيرًا، المؤكد بالنسبة لي هذه المعالجة ستفشل كما فشلت التي من قبلها بل قد تكون نتائجها أسوأ مما أنتجته لنا المعالجات السابقة نظرا لاختلاف الظروف والتطورات.
فهل تعي أنظمة المنطقة حقيقة أن الظروف اختلفت، والتاريخ تغيَّر وصناعه اليوم يعيشون في المستقبل لا بفكر ماضوي أكل عليه الزمان وشرب وتخلل بعصر التكنولوجيا؟