المراقب للوضع العام فيما قبل ظهور التيار الديني السياسي وما بعد ذلك، وحتى الساعة يجد أن مجتمعات المنطقة جميعها تجمعها قضية واحدة وهي قضية فلسطين منذ أول يوم من احتلالها، ولكن منذ دخول التيار الديني السياسي قسَّم مجتمعات المنطقة ليس لفسطاطين، وإنما لفساطيط عدة فسطاط شيعي اثنا عشري، وفسطاط شيعي شيرازي وغيرها من التصنيفات، وفسطاط سني إخوان مسلمين، وفسطاط وهابي، وفسطاط سلفي، وفسطاط جامي، وهلم جر من الفساطيط التي لم نكن نسمع بها قبل ظهورها على ساحتنا التي انتكبت بنكبات على يد العسكر، ومن ثم على يد التيارات الدينية السياسية.
مجتمعاتنا بحاجة ماسة بالفعل لتفعيل دور عقلها إن كانت بالفعل تريد تحقيق ذاتها، وتلحق بالركب الحضاري الإنساني الذي وصل لأن يخطط للاستيطان في كواكب أخرى غير كوكب الأرض لتتضح بشكل جلي عمق الهوة الحضارية والردة التي رجعتها مجتمعات منطقتنا بعد أن لمحت فرصة تاريخية لتقفز نحو المجتمعات المتطورة قبل استيلاء العسكر على معظمها التي أرجعوها لمجتمعات ما قبل التحضر البشري ليستكمل طريقهم التيارات الدينية السياسية.
طبعا، وكلي ثقة بأن كثيرين بالذات الذين تم غسيل عقولهم منذ نعومة أظافرهم سيقولون بأني ضد الدين والشريعة وغيرها من ترهات وخرافات ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لي طالما تم تغذية عقولهم بخرافات على أنها حقائق مع أول رضعة من ثدي التيارات الدينية السياسية.
اليوم من ينظر لمجتمعات المنطقة يحزن ويأسف لحالها، ومع ذلك أجزم بأن لا بد لها من أن تمر بهذه اللحظات لتكتشف بنفسها حقيقة تدمير مجتمعاتها من داخلها على يد التيارات الدينية السياسية أكثر مما تم على يد الشرق والغرب، لذلك أزمتها منها وفيها، ولا بد من صحوة بعد تلك الغفوة التي اتسمت بغفوة على دماء وأشلاء شعوب المنطقة.