حكايتي اليوم من سلطنة عُمان ستكون عن مسفاة العبريين.
نحن بالفعل لانملك ثقافة التمتع بالسفر كما يجب أن يكون، نحن دائماً كما يقول رشيد طه بأغنيته يامسافر تروح تعيا وتولي، نرجع من السفر المُسمى بالسفر السياحي مرهقين من السهر واللف والدوران بين الأسواق والمقاهي والمطاعم نذهب للقاهر لانتعدى برحلتنا لها نطاق القاهرة نذهب لبيروت إن وصلنا للروشة فنحن محظوظون وإن ذهبنا للندن نتجمع في شارع أكسفورد وهلم جرا بسياحتنا، لذلك بسفرتي الأخيرة لسلطنة عُمان نسفت كل روتينيات السفر الذي كنت أعتقد بأنه هو الطريق الصحيح نحو السياحة ولكني اكتشفت بأني ضيعت ثلاثة أرباع إن لم يكن جميع سفراتي سدى وبلا فائدة تُذكر لا ثقافية ولا معرفية ولا اكتشاف الطبيعة الرائعة.
مسفاة العبريين هبة الطبيعة لسلطنة عُمان هذه البقعة الصغيرة في جنوب شرق الجزيرة العربية برمتها تختصر تاريخاً عريقاً بطبيعتها وسكانها وهي عبارة عن قرية صغيرة على سفح جبل تطل على وادي محط زيارة غربيين بشكل مكثف وغير عادي ومن أشهر زوارها الملك تشارلز الثالث حتى أني كُنت أمازح صاحب الفندق التراثي الصغير قلت له لعل تلك الصورة المعلقة فوتوشوب فنظر لي بنظرة استغراب واستهجان بذات الوقت فقال لي ماحاجتي لأن أُعلق صورة اخدع بها الزوار وليلة المبيت عندي ب45 ريال عُماني أي مايُقارب 120 دولار أمريكي وهذا إن وجدت حجزاً بسهولة.
مسفاة العبريين إن رغبت بأن تستنشق الهواء النقي بها وإن أردت أن تغوص بعبق التاريخ فهو بها وإن كنت من محبي ال Hiking أي رياضة المشي بين الجبال والوديان فأنت تكون قد وصلت للمكان المناسب، أما أفلاجُها فحدث ولا حرج فهي تجذبك كالمغناطيس فهذه الأفلاج لايمكن معرفة مصدرها إطلاقاً ووفق إحدى النظريات التي تقول بأن السُحب والغيوم تصطدم بقمم الجبال الباردة وقد تصل لحالة التجمد مثلاً في جبل شمس ومن ثم تتكثف تلك السحب والغيوم على الاسطح الباردة وتنزل في الشقوق وتفتح لها طريقاً للنزول للأودية وأنا شخصياً أعتقد بتلك النظرية لأنها أقرب للواقع، لأن طالما وجدت الحبال وجدت معها الماء.
الوادي الذي يقع في مسفاة العبريين وادي عميق مليئ بالاشجار مختلفة الأنواع والنزول له بحد ذاته متعة غير طبيعية يمكنك قضاء نهار كامل وأنت تتجول بذلك الوادي الذي حرصت الدولة على وضع علامات إرشادية للنزول والصعود له ولفت نظري حقيقةً الوان العلامة الارشادية حيث تكونت من ثلاثة ألوان اصفر وابيض واحمر على شكل مستطيل واعتقدت في البداية بأنها علم من أعلام احدى الدول رسمها سائح ما ولكن اكتشفت بأن تلك الالوان لم يتم اختيارها بالصدفة الذائقية وإنما الوان تشع بأقل ضوء بما فيها على ضوء القمر لكي لايضيع أو يتوه السائح أو المتجول في الوادي.
الذي زار سلطنة عُمان ولم يزر مسفاة العبريين كأنه لم يزر السلطنة وسيفقد جزءاً كبيراً من متعة العيش بعبق التاريخ الذي يشدك له رغماً عن أنفك، يكفي أن يلامس الهواء بويصلات أنفك الشمية ليستثيرها وتستفزها لتُرجعك للطبيعة البكر المحافظين عليها والتي أرجو وأتمنى أن لاتدخل المدنية عليها لكي لاتغير من طبيعتها البكر.
خلال جولتي في السلطنة شاهدت كم التطور المدني بها ولكني أرجو بأن لاتُمس مثل تلك الأماكن بأي شكل من الأشكال.
غداً بإذن الله سأكون معكم في معلم تاريخي آخر اسمه بي بي مريم فهذا الصرح له تاريخ لايمكن القفز عليه.