أكثر من مرة كتبت عن دور المنظمات الدولية الحقوقية وطالبت قبل ابداء الرأي بها قراءة تقاريرها ودورها في المحافظة على حقوق الإنسان وقلت بأنها منظمات جديدة وحديثة عهد قياسا بعمر الشعوب في عالم اليوم، ولم تترسخ بعد في الوجدان الإنساني لا للأنظمة ولا للحكومات التي لا تعترف بحقوق الإنسان وتنتهكه غير عابئة به نتيجة تجاهلها لحقوق الإنسان، ولا للاتفاقيات والمعاهدات الإنسانية الدولية، والمؤسف أكثر ينتقل ذلك الشعور من الحكومات للأفراد أي أن هناك من لا يؤمن بدورها ويدلل على ذلك بمجازر غزة التي تحدث، وعجز هذه المنظمات عن إيقافها.
هذا -للأسف يحدث بالفعل- لم تستطع المنظمات الدولية الحقوقية إيقاف مجازر غزة والإبادة الجماعية التي تحصل بها، ولكن استطاعت إحداها إصدار مذكرة اعتقال بحق نتن ياهو وغالانت وزير دفاعه وغيرها أصدرتا بيانات إدانة لتلك المجازر، وهذه لم تحدث طوال الصراع الفلسطيني الصهيوني منذ أكثر من سبعين عاما، ناهيكم عن التقارير التي تدين الصهاينة بانتهاكات حقوق الإنسان الكثيرة، ولكن -مع الأسف- لا أحد يقرأها، أو حتى يعني نفسه بالبحث عن موقف تلك المنظمة أو غيرها، وهذه المنظمات هي من كونت الرأي العام الغربي ضد الإبادة الجماعية في غزة.
إن ترديد أسطوانة أن المنظمات الدولية الحقوقية ما هي إلا واجهة لدول متنفذة أو أنها تابعة لأجهزة استخبارات تحركها وقتما تشاء كلام غير صحيح بتاتا، وأنا لا أنكر أن هناك منظمات تعمل لصالح بعض الأنظمة؛ لذلك أسماها المجتمع الدولي الحقوقي GONGO وهي اختصار ل Government- organized non- governmental organization أي أنها منظمات غير حكومية منظمة من قبل الحكومة، وتعبر عن رأي الحكومات، ولا تعبر عن رأي مستقل محايد؛ وهذا ما يجعل الكثيرون ينظرون إليها نظرة ضبابية وغير واضحة، وغير منصفة للمنظمات الدولية الحقوقية، ولا أنكر بأن بعضها يكون تابعًا لأجهزة استخبارات، ولكن الحصيف يعرف كيف يفرق بينها ولا تختلط عليه الأمور.
لذلك بالنسبة لي كحقوقي أؤمن إيمانًا قاطعًا وجازمًا بأن لا ملاذ لنا بعد الله إلا أن نتمسك ونقوي دور تلك المنظمات الدولية الحقوقية ذات المصداقية والاستقلالية، لأنها صوت الضعفاء الذين ترتكب بحقهم المجازر…
في أحد المؤتمرات الحقوقية الدولية التي شاركت بها تحدث أحدهم يمتدح أبشع نظام ينتهك حقوق الإنسان، وجعله من أكثر الأنظمة إنسانية مما أثار تعليقات مستهجنة كثيرة ضده وضد البلد الذي يدافع عنه، وكان بموضع سخرية لا يحسد عليه.