قرأت مقال سمو الأمير تركي الفيصل الذي نشره في صحيفة الشرق الأوسط والذي أحدث ضجة وردود فعل ليس على مستوى المنطقة فحسب، وإنما على مستوى العالم الذي يتابع عن كثب الوضع في الخليج لما له من أهمية إستراتيجية على أمن واستقرار العالم.
سمو الأمير تركي بحكمته وخبرته وعلاقاته الدولية التي تراكمت على مدى عقود قاد بها أكثر الأجهزة فعالية وحساسية جعلت منه ليس خبيرًا في الشأن الخليجي فقط، وإنما خبير بالشأن الدولي عموما، ويعرف كيف تتحرك أحجار الشطرنج، وكيف يحمي مصالح الخليج عموما قبل المملكة لإدراكه بأن أي ضرر يقع على أية دولة خليجية سينعكس سلبا على المملكة؛ لذلك كان تقييمه الإستراتيجي لحرب الخليج الرابعة دقيقًا، ولا أفصل ما ذهب إليه سموه عن تأجيل زيارة الرئيس ترامب لبكين التي كانت مقررة في بداية أبريل 2026، ثم أُعلن في مارس 2026 عن تأجيلها لمدة تتراوح بين شهر وشهر ونصف بسبب التوترات في الخليج، وستتم في منتصف مايو 2026 الجاري.
زيارة ترامب لبكين ليس زيارة نزهة، وإنما زيارة تأتي في وقت لا يحسد عليه الموقف الأمريكي بحرب الخليج الرابعة والتي علق بها بشكل هز هيبة أمريكا، و لا أستبعد تماما بأن يتم حل هذه الأزمة على حساب تايوان، وأيضاً مع الروس على حساب أوكرانيا فالعلاقات الدولية تحكمها المصالح كما هو معروف، وهذا ما أدركه تماما رئيس تايوان Lai Ching-te الذي لعب لعبة سياسية في غاية الحكمة حيث استثمر في زعيمة حزب الكومينتانغ المعارض Cheng Li-wun، التي التقت Xi Jinping في Beijing خلال أبريل 2026 لترطيب العلاقات الصينية التايوانية وعليه لا أستبعد استشعار تايوان بأنها ستكون لقمة سائغة ستهضمها بكين بموافقة ترامب لكي يخرج من ورطته في الخليج.
قد يتساءل البعض ما علاقة ما حذَّر منه تركي الفيصل مع زيارة ترامب لبكين المقبلة؟ أقول له بكل بساطة تبادل المصالح بين الحيتان تجبرهم على تقديم تنازلات لا يستطيعون تقديمها لمن يداحرهم من اللاعبين الصغار الذين يعيشون بوهم القوة المفرطة، وإنما عندما يقدمونها لبعضهم تكون لها قيمة عالية أي أنهم يتقاسمون المصالح بينهم، والصين أصبحت على أعتاب نفوذ ومصالح إستراتيجية لأمريكا بعلاقاتها مع إيران، أما أوكرانيا فلا أستبعد وهذا ما طلبه ترامب من زلينسكي التنازل عن الأراضي التي احتلتها روسيا لكي ينهي الحرب بينهما؛ وبذلك يكون ترامب حقق ما يتطلع له ليظهر كرجل سلام كما يدعي.
السؤال هنا ما الثمن الذي ستدفعه دول الخليج من أجل أمنها واستقرارها في لعبة تبادل المصالح بين الحيتان؟
هذا ما استشففته من مقال سمو الأمير تركي، وهذا ما ستسفر عنه زيارة ترامب لبكين.