المرء نتاج بيئته.

استمعت لقصة طفل لعائلة أوربية لم يتعدَّ من العمر ثلاث سنوات، وقد أصبح فنانًا في الرسم، وفتح له والداه منصة من منصات التواصل الاجتماعي يعرض فيها إنتاجه من اللوحات التي يرسمها؛ وحصد عشرات الآلاف من المتابعين منهم من أسر مالكة، ومن علية القوم قادة وسياسيين ونجوم الفن والمسرح وحتى نجوم الرياضة.

تتلخص قصة هذا الطفل ذي الثلاث سنوات بعد رجوعه هو ووالديه من أحد معارض الرسم طلب منهم ورقةً وقلمًا لكي يرسم، وأحضرا له ما طلبه، واستمر يطلب المزيد وتطور لأن يأتوا له بقطع من القماش لكي يرسم عليها، وأبدع الطفل في رسوماته إلى أن قال عنه النقاد قد يكون فان جوخ القرن الحادي والعشرين، أرجعت تلك القصة بذاكرتي لعدد من السنوات الماضية حينما دخلت منزل أحد المعارف ولاحظت معظم الصور الشخصية وجهها للحائط وقلت لنفسي لعله فن جديد، ولكني اكتشفت بأن وجه اللوحة لوالدهم تعجبت وسألت لماذا وإذ بالجواب يقتل الإبداع فتمالكت نفسي وقلت لكل منا له قناعاته، ولكن طالما هناك مَن قناعاته لا يريد رؤية صورة معلقة؛ فعن أي إبداع ممكن نتخيله ينتجه ذلك العقل.

وفي إحدى المراحل من حياتي أنا شخصيا عرفت أحد الأطفال مبدع في عزف آلة الكمان حتى أتذكر أن مدرسًا مجريًّا كان يدرس في معهد الموسيقى الذي كان مقره في بيت في منطقة الفيحاء على الزاوية التي تجمع منطقة النزهة والروضة والعديلية طلب من أهله أن يتبناه، ويأخذه للمجر على حساب دولته ليستكمل دراسة الكمان لأنه اكتشف به موهبة إبداعية، ولكن أهله رفضوا ذلك ووأدوا ذلك الفن بداخله، أما القصة الأخيرة فأيضا أنا كنت شاهدا عليها حيث لمحت بأحدهم ميولًا فنية من الصغر، وأحضرت له آلة عود ليتعلم عليها؛ وينمي موهبته، ولكني بعد فترة اكتشفت بأن هناك من ألقى آلة العود في حاوية الزبالة، ولم أتحسر على تلك الآلة التي اشتريتها بقدر ما تحسرت على قتل الإبداع بداخل ذلك الطفل.

المراد الفرق بيننا وبين البيئة التي تساعد على الإبداع عندما يبدع طفل لديهم يأخذون بيديه ويشجعونه ويدعمونه بينما نحن نستأصل كل بذرة إبداع، ونقتل كل من يفكر، والشواهد التاريخية والحالية كثيرة حدِّث ولا حرج فهي أصبحت سمة من سمات مجتمعاتنا؛ لذلك ليس مستغربًا عندما نسمع مقولة المرء نتاج بيئته.

وكما قال أبو علاء العري:
وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا *** عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ

Shopping Cart
  • Your cart is empty.