‏لا مزيد من الوحدة: حل الدولتين… في اليمن

‏بقلم كريستوفر بالير جيرال

‏جنوب اليمن، المعروف رسميًا بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، يحتل مكانة فريدة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث كأول وأحد الدول الماركسية-اللينينية في العالم العربي، ناشئًا من صلب الاستعمار والجغرافيا السياسية للحرب الباردة. يقع جنوب اليمن على الساحل الجنوبي الاستراتيجي لشبه الجزيرة العربية على طول خليج عدن، وقد وُلد في 30 نوفمبر 1967، عقب انسحاب البريطانيين من مدينة عدن، التي كانت مركزًا حيويًا على الطريق الإمبراطوري إلى الهند.
‏تأسس جنوب اليمن بقيادة جبهة التحرير الوطني، وهي حركة يسارية مناهضة للاستعمار وحدت المجتمعات القبلية المختلفة وسكان المدن تحت رؤية اشتراكية علمانية، ومعاداة للإمبريالية، ورؤية للتحديث مستوحاة جزئيًا من القومية العربية وسياق الحرب الباردة الأوسع. تحت حكم الحزب الاشتراكي اليمني، نفذت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إصلاحات واسعة النطاق: تأميم الصناعات، إعادة توزيع الأراضي، توسيع نطاق التعليم العام والرعاية الصحية، والنهوض بحقوق المرأة، وكلها تهدف لبناء دولة اشتراكية حديثة وإضعاف السلطة القبلية والدينية التقليدية.
‏ومع ذلك، كان هناك مناخ من الارتياب السياسي، وانتهاكات حقوق الإنسان، ونزاعات داخلية وخارجية متقطعة، بما في ذلك حروب مع شمال اليمن في 1972 و1979 وحرب أهلية دموية عام 1986، مما أبرز هشاشة النظام. اقتصاديًا ودبلوماسيًا، اعتمد جنوب اليمن اعتمادًا كبيرًا على الاتحاد السوفيتي وحلفائه الشيوعيين، مما جعله عرضة للتحولات العالمية في أواخر الثمانينيات.
‏في عام 1990، ومع تراجع نفوذ داعميه، اتحد جنوب اليمن مع الجمهورية العربية اليمنية لتشكيل جمهورية اليمن الحديثة، وهو اتحاد كشف بسرعة عن تصدعات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة، مما أدى إلى تمردات وحركات انفصالية وظهور صراعات جديدة، بما في ذلك الحرب الأهلية المستمرة. بعد التوحيد، تولى علي عبد الله صالح من شمال اليمن الرئاسة، وأصبح علي سالم البيض من جنوب اليمن نائبًا للرئيس، وتم تعيين صنعاء عاصمة لليمن الموحد حديثًا.
‏ومع ذلك، سرعان ما ظهر الاستياء في الجنوب، حيث شعر السكان بالتهميش المتزايد. ركزت الاستثمارات بشكل كبير على صنعاء، بينما سيطرت المصالح الشمالية واستفادت من احتياطيات النفط الوفيرة في الجنوب وغيرها من الموارد الطبيعية. اليوم، لا يزال إرث جنوب اليمن قائمًا في الدعوات المستمرة للاستقلال عن جماعات مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تسلط سيطرته على أجزاء من الجنوب الضوء على الانقسام المستمر بين الشمال والجنوب.
‏تاريخيًا واستراتيجيًا وثقافيًا وسياسيًا، قصة جنوب اليمن هي قصة تجارب جذرية، وتحول اجتماعي عميق، وصراع مستمر يشكل تاريخ اليمن المضطرب ومستقبله غير المؤكد.
‏تعود فكرة حل الدولتين في اليمن اليوم كانعكاس للحنين إلى الانقسامات خلال الحرب الباردة، وكاستجابة عملية للحقائق الراهنة. بقيادة شخصيات مثل اللواء عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي، تتصور حركة استقلال الجنوب “جنوبًا عربيًا” ذا سيادة، يستفيد من موقعه الاستراتيجي على خليج عدن، وموارده غير المستغلة، وشراكاته الإقليمية مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودول الخليج لإرساء الأمن، والحكم، والاستقرار الاقتصادي.
‏تبتعد هذه الرؤية بشكل حاد عن خطاب الوحدة الوطنية، وتقترح بدلاً من ذلك جنوبًا اتحاديًا يتمتع بالحكم الذاتي، يمكن أن يتوسع في النهاية ليشمل المناطق الشمالية إذا اختار السكان المحليون ذلك، مع التفاوض على التعايش مع دولة شمالية ناشئة من سيطرة الحوثيين.
‏يعكس إحياء مفهوم الدولتين الانقسامات الهيكلية والأيديولوجية المستمرة بين شمال وجنوب اليمن، مع توترات تاريخية لم تُحل، متجذرة في الوحدة السابقة، والصراعات الماضية، والرؤى المتنافسة للدولة. يمثل اقتراح الدولتين استمرارًا لإرث جنوب اليمن وإعادة تصور لدوره في القرن الحادي والعشرين، ويجسد وعد تقرير المصير والتحدي الهائل المتمثل في تحويل هذا الوعد إلى واقع سياسي قابل للتطبيق، ومعترف به، ومستدام في دولة منقسمة وممزقة بالحرب.

Shopping Cart
  • Your cart is empty.